عشر ذي الحجة وبيعة العقبة، حين اجتمع شرف الزمان مع شرف النصرة فكانت ولادة أعظم دولة في تاريخ الإسلام
52 دقيقة مضت
المقالات
20 زيارة
أ.عبد السلام البدري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
إن من أعظم مواسم الإيمان التي تمرّ على المسلمين في كل عام، موسم عشر ذي الحجة، تلك الأيام التي عظّمها الله في كتابه، وأقسم بها، ورفع قدرها فوق سائر أيام الدنيا، حتى شهد لها رسول الله ﷺ بأنها أفضل أيام العمل الصالح. ولم تكن هذه الأيام المباركة مجرد موسم عبادات فردية فحسب، بل ارتبطت كذلك بأحداثٍ عظيمة غيّرت مجرى التاريخ الإسلامي، وكان من أعظمها: بيعتا العقبة الأولى والثانية، اللتان كانتا الأساس الحقيقي لقيام دولة الإسلام في المدينة المنورة.
إن التأمل في العلاقة بين عشر ذي الحجة وبيعة العقبة يفتح للمسلمين بابًا عظيمًا لفهم معنى النصرة، والعمل للإسلام، وبناء الأمة، واستحضار الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ لإقامة المجتمع والدولة الإسلامية.
فضل عشر ذي الحجة في القرآن الكريم
لقد أقسم الله تعالى بهذه الأيام في قوله سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المقصود بـ”الليالي العشر” هي عشر ذي الحجة، ومنهم :عبد الله بن عباس وابن كثير والطبري والقرطبي.
قال ابن كثير:”المراد بها عشر ذي الحجة…وإذا كان الله سبحانه يقسم بشيء، فهذا يدل على عظم شأنه ورفعة قدره، فكيف إذا كان القسم بأيامٍ هي أعظم أيام الدنيا؟
وقال تعالى:﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].”
وقال عبد الله بن عباس:”الأيام المعلومات: أيام العشر”.وجاء في تفسير الطبري: “فضل عشر ذي الحجة في السنة النبوية، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:“ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام.” رواه البخاري، وفي رواية أخرى:“ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر.” رواه أحمد
وفي هذه الأيام: الحج والتكبير والذكر والصيام والأضاحي، حتى قال ابن حجر العسقلاني:”سبب امتياز عشر ذي الحجة لاجتماع أمهات العبادة فيها”.
بيعة العقبة… اللحظة التي غيّرت التاريخ
في موسم الحج، وفي ليالي ذي الحجة، وقعت أعظم نقطة تحول في تاريخ الدعوة الإسلامية.
بيعة العقبة الأولى
في السنة الثانية عشرة من البعثة، جاء اثنا عشر رجلًا من الأوس والخزرج، فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام والطاعة وترك المعاصي.وكانت هذه البيعة: بيعة إيمان وبداية انتشار الإسلام في يثرب فأرسل النبي ﷺ معهم مصعب بن عمير ليعلّم الناس الإسلام، فدخل الإسلامُ بيوت المدينة.
بيعة العقبة الثانية
وفي العام الذي يليه، وفي موسم الحج كذلك، جاءت البيعة الكبرى، حين حضرثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، فبايعوا رسول الله ﷺ على: النصرة والحماية والسمع والطاعة والدفاع عنه كما يدافعون عن أهليهم.
وهنا تحوّل الإسلام: من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة إقامة الدولة، وقد قال لهم النبي ﷺ:“أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم”.
لقد كانت هذه البيعة أعظم من مجرد اجتماعٍ عابر، بل كانت عقد تأسيس وميثاق نصرة وإعلان ولادة الأمة السياسية. ومن هنا بدأت الهجرة، ثم قامت دولة الإسلام في المدينة المنورة.
لماذا كان الأنصار عظماء؟
لأنهم لم يكتفوا بالإيمان القلبي فقط، بلنصروا الدين، وحملوا التبعات، وواجهوا العرب جميعًا، وقدّموا الحماية والسلطان للدعوة، فمدحهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: 9].
لقد فهم الأنصار أن الإسلام ليس مجرد عبادات فردية، بل رسالة وحكم ومجتمع ودولة.
اجتماع شرف الزمان مع شرف العمل
إن من أعظم المعاني التي تستوقف المسلم أن بيعة العقبة وقعت في موسمٍ عظّمه الله، وفي أيامٍ هي أفضل أيام الدنيا. فاجتمع شرف الزمان مع شرف النصرة مع شرف الصحبة مع شرف إقامة الدين، فكانت النتيجة: قيام أعظم دولة عرفها التاريخ.
ولهذا فإن عشر ذي الحجة ليست مجرد أيام ذكر وصيام فحسب، بل هي كذلك تذكير عملي بمعاني التضحية؛ النصرة وحمل الدعوة والعمل الجماعي وإقامة الإسلام في واقع الحياة.
فما أحوج المسلمين اليوم إلى استحضار هذه المعاني، فالأمة الإسلامية اليوم تعيش تفرّقًا واستبدادًا وهيمنة سياسية واقتصادية وتبعية للغرب وضياعًا للمقدسات وتمزيقًا لوحدة المسلمين. وما أشبه حال المسلمين اليوم بحال المسلمين في مكة قبل الهجرة: استضعاف واضطهاد وتسلط قوى الكفر وغياب السلطان الإسلامي الجامع.
لكن السيرة النبوية تعلّم المسلمين أن التغيير لا يكون بالفوضى ولا بردود الأفعال العاطفية، وإنما بالوعي والدعوة والصبر وبناء الأمة فكريًا وسياسيًا، ثم بطلب النصرة من أهل القوة والمنعة، كما فعل رسول الله ﷺ حتى هيأ الله له الأنصار.
واجب أهل القوة والمنعة
لقد كان الأنصار نموذجًا لأهل النصرة، ولذلك فإن الأمة اليوم تحتاج إلى: المخلصين والعلماء الصادقين وأهل التأثير وأهل القوة والمنعة، ليكونوا عونًا على إقامة الحق والعدل ورفع الظلم عن الأمة.
قال تعالى:﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]. فالنصر ليس كلمات، بلموقفوتضحيةوتحمل للمسؤولية.
بشارة النبي ﷺ للمسلمين
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة.” رواه مسند أحمد، وهذه البشارة تبعث الأمل في الأمة، بأن المستقبل لهذا الدين، مهما اشتدت المحن وتعاظمت قوى الظلم.
لكن تحقق الوعد مرتبط بالاستقامة والعمل والسير على منهج النبي ﷺ الصحيح في التغيير.
خاتمة
إن عشر ذي الحجة ليست أيامًا عابرة في ذاكرة المسلمين، بل هي مدرسة إيمانية وتاريخية عظيمة، تذكّر الأمة بفضل الطاعة وعظمة النصرة ومعنى التضحية وكيف بُنيت دولة الإسلام الأولى، ففي هذه الأيام المباركة: بايع الأنصارُ ونُصرت الدعوة وبدأت رحلة إقامة الدولة وتغيّر وجه التاريخ.
واليوم، ما أحوج المسلمين إلى استحضار روح العقبة: روح النصرة وروح العمل للإسلام وروح الوحدة وروح حمل المسؤولية، حتى تعود للأمة عزتها، ويعود الإسلام قائدًا للحياة، كما أراده الله سبحانه وتعالى.
وإن أعظم حلٍّ شرعي للمشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقدية التي تعاني منها الأمة والبشرية، هو عودة المسلمين إلى تحكيم شرع الله كاملًا، والعمل لإقامة كيان جامع للمسلمين يقيم الدين ويحمل رسالة الإسلام للعالم بالعدل والرحمة والهدى.
(هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52))
1447-11-28