فساد القيادة: الطور النهائي في انهيار الدول وتعفّن الحضارات وتفسّخها – أمريكا ترامب نموذجا
ساعتين مضت
المقالات
21 زيارة
مُناجي محمّد
ثمة سنن تحكم صعود الدول الكبرى والحضارات المهيمنة وسقوطها، وثمة تحليل مادي علماني غربي، وأبرز نظرياته:
نظرية المؤرخ البريطاني أرنولد تُوينبي الذي يرى أن سقوط الحضارات يبدأ من الداخل، نتيجة فشل النخبة المبدعة في مواجهة التحديات، وتحولها إلى سلطة تعسفية، ما يدفع الأغلبية إلى التخلي عنها، فتتفكك الوحدة المجتمعية ويزداد الانقسام الداخلي، فتنهار الحضارة لاحقًا أمام أي تحد خارجي.
ثم هناك نظرية بول كيندي التي ضمنها كتابه “صعود القوى العظمى وسقوطها”لسنة 1987، وهي رؤية رأسمالية خالصة، فهو يرى أن القوة الاقتصادية هي القاعدة الأساسية في بناء قوة الدولة مدعومة بقوة عسكرية وسياسية، وأن عدم التوازن بين طموح الدولة العظمى وقدراتها الاقتصادية، بمعنى أن تتوسع الدولة عسكريا وإستراتيجيا عبر إنفاق مفرط، ما يرهق الاقتصاد ويضعف الدولة. وتأثير نظرية بول كيندي على صناع القرار الأمريكي تعاظم مع كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتجلى في السياسات المتعاقبة لإعادة بناء الاقتصاد (اقتصاد سلع ثم خدمات ثم اقتصاد مالي ثم اقتصاد رقمي ثم اقتصاد تكنولوجيا وذكاء اصطناعي) في محاولة لرتق الثقب الأسود الاقتصادي (الديون الفلكية والعجز الدائم) لمنع التدهور والانهيار، فكان العامل المادي الاقتصادي هو المحرك لكل السياسات الأمريكية مع مختلف الإدارات جمهورية أو ديمقراطية، فقط اختلفت الإستراتيجيات والأساليب والوسائل.لكن التدهور استمر والحالة الأمريكية استفحلت، علما أن أمريكا هي الصورة الفاضحة والنموذج الصادم للحالة الغربية المأزومة كلها.
وتفسير هذا التدهور وتسارع خط الانهيار والنفق المظلم الذي دخله الغرب هو في قصور النظريتين، وتجاهلهما للعطب الحقيقي للغرب والأساس الأول في المعضلة الغربية، وهي المنظومة الثقافية العلمانية الغربية التي هي بذرة أنظمة الحياة والتشريعات والقوانين والسياسات وسبب فشل الحل وتفاقم المشكلة واستفحالها، والتي تعامى كل من توينبي وكيندي عن حقيقة فشلها وإفلاسها بحكم أنهما من أبناء المنظومة العلمانية الرأسمالية الغربية المقتنعين بجدواها ثقافيا وحضاريا وسياسيا، علما أن المنظومات الثقافية هي بذرة الحضارة والدولة والمجتمع وجذرها، وتجاوز أعطابها مهلكة.
فالانحلال الحضاري الغربي وفساد السياسات والأزمات الاقتصادية الطاحنة والمسخ الاجتماعي وموت القيم والأخلاق سببه ثقافي، وليس إجرائيًا اقتصاديًا أو سياسيا، فالسبب هو المنظومة الثقافية العلمانية الغربية في فشلها التام وإفلاسها الكامل في معالجة المعضلة الإنسانية، فلقد فشلت فشلا تاما في تحقيق سعادة الإنسان، بسبب معالجاتها الفاسدة الباطلة، بل أنتجت نقيض ادعاءاتها مأساة بشرية مكتملة الأركان.
هي صيرورة المنظومة الغربية العلمانية الرأسمالية، وهي حتما مفضية إلى انتحارها، فقد بنيت على أساس باطل متهافت، وشفا جرف هار، وادعاء ثقافي زائف غارق في الضلال، مفاده أن عقل الإنسان أقدر على حل المسألة الإنسانية من الله خالق الإنسان!
فقد بدأت المنظومة الغربية فكرة علمانية خالصة، ثم تزاوجت مع الرأسمالية، ثم انتهت توحشا وتغوّلا رأسماليا انتحاريا. نشأت المنظومة الغربية فكرة علمانية خالصة نازعت الكنيسة أفكارها وكهنوتها ولاهوتها الثقافي وسلطانها السياسي، وكان فلاسفة العلمانية ومفكّروها هم المنظرين والمنشئين للفكر والثقافة لإنتاج مفاهيم حياة وأنظمة مجتمع وحضارة ودولة، فكانت الثقافة والسياسة صناعتهم وبضاعتهم، وكانت القرون الثلاثة 16 و17 و18 زمنهم وزمن هيمنة أفكارهم العلمانية، تمكنت معها العلمانية من انتزاع السلطة من الكنيسة وإقامة دولتها في النصف الثاني من القرن 18، فكان معها مركز الثقل للمنظومة العلمانية الغربية ونواتها الصلبة محصورا في فلاسفتها ومفكريها والسياسيين والحكام المتأثرين بهم والملتزمين فلسفاتهم.
ثم كانت بعدها مرحلة تحول المنظومة أواخر القرن 18 وبداية القرن 19 وتداعيات الثورة الصناعية التي شهدها معقل العلمانية أوروبا (المحرك البخاري، آلة النسيج، المصانع)، برزت معها طبقة جديدة في المجتمع الغربي؛ طبقة الرأسمالية الصناعية ملّاك المصانع وأدوات الإنتاج، وصار لهذه الطبقة نفوذ على المستوى الفكري والسياسي، وبدأ معها تزاوج بين التطور الصناعي والتوليد الفكري وظهرت الأفكار الرأسمالية، ويعتبر كتاب “ثروة الأمم”الذي ألفه آدم سميت سنة 1776 النص المؤسس للاقتصاد الرأسمالي والبيان التأسيسي للرأسمالية وحرية الملكية الفردية وسوقها الحرة وهيمنتها على الحياة الغربية، تولد مع هذه الهيمنة الرأسمالية تزاوج شاذ بين المال والفكر والثقافة والسياسة طبع الحياة والحضارة الغربية.
ومع نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين حدث التحول الكبير على مستوى المنظومة الغربية الرأسمالية، فقد ظهرت المؤسسات البنكية الكبرى العابرة للدول والشركات المالية القابضة وأسواق الأوراق المالية والبورصات العابرة للقارات (بورصة لندن وبورصة نيويورك)، وتطورت، وبات معها القطاع المالي سيد الموقف ومعه نمت الرأسمالية المالية وطغى نفوذها وسلطانها على الفكر والثقافة والسياسة والحياة، ثم كانت الطفرة التكنولوجية الرأسمالية وتقنياتها وأدواتها في تكثيف التنميط الرأسمالي وتحكم المال، فازداد تغول الرأسمالية عبر المال الافتراضي الوهمي والثروة السحابية التي وفرتها التكنولوجيا للطبقة الرأسمالية الجديدة، وحصلت السيطرة التامة على الفكر والثقافة والسياسة، بل جُفّفت تماما منابع الثقافة والفكر والسياسة، فالمال ولا شيء غير سلطان المال هو الحاكم المطلق في الحياة الغربية، فتضخمت المعضلة الغربية وتفاقمت واستفحلت، ومعها المأساة الإنسانية التي صنعتها المنظومة الغربية المأزومة.
فأُضيف إلى الخلل والعطب المعرفي للمنظومة الثقافية العلمانية وأزماتها الفلسفية الحادة تأثير المال الرأسمالي السام وذلك الزواج الشاذ بين العلمانية والرأسمالية، فقام المال الرأسمالي بتزييف دائرة المعرفة وتحريف زاوية النظر وحرف موضوع النقاش الفكري والثقافي عن موضعه الأساسي والأصلي في البحث عن سعادة الإنسان والمنظومة الفكرية والثقافية وأنظمة الحياة الكفيلة بتحقيق ذلك، إلى نقاش حول الثروة ونمائها خدمة لأطماع الطبقة الرأسمالية المتنفذة وجشعها، فأصبح الفكر والثقافة والمنظومة الغربية كلها رهن أطماع الطبقة الرأسمالية، ومعها تحول مركز ثقل المنظومة الغربية، وصارت نواتها الصلبة هي الطبقة الرأسمالية من أصحاب البنوك الكبرى والشركات الكبرى العابرة للقارات.
وما كان لذلك التزاوج الشاذ السام أن يستمر إلا بتحكم طرف بالآخر، فكانت الغلبة للمال الرأسمالي، وانتهى الأمر بتحكم الطبقة الرأسمالية في الفكر والثقافة والسياسة والحياة، ومعها أصبحت سيادة المال على حساب الثقافة والسياسة، بل ومن شروط نماء المال الرأسمالي نزع أي سلطان للثقافة والسياسة، لتحقيق الهدف الرأسمالي الخالص في ربح صافٍ خالٍ من تكاليف الثقافة والسياسة وقيودهما، فكان الثمن المدفوع لتحقيق ذلك هو تجفيف منابع الفكر والثقافة وقتل السياسة.
فالمنظومة الغربية اليوم تعيش حالة قحط فكري وإفلاس ثقافي وتعفن سياسي، مع توحش وتغول للطبقة الرأسمالية غير مسبوق، فقد انتهت المنظومة الغربية إلى رأسمالية متوحشة متغولة خالصة، لا ينازعها فكر أو ثقافة أو سياسة، خاوية من كل القيم والأخلاق، فهي من تصنع أشباه المفكرين والمثقفين المزيفين وأشباه الحكام ومرتزقة الساسة الرخيصين، والكل دمى تحركها الأيدي الرأسمالية لأصحاب البنوك والشركات الرأسمالية العابرة للقارات.
وهذا الوضع الرأسمالي الشاذ السام لا يفرز إلا دولا رهينة للرأسمالية وحكامًا موظفين مأجورين خدمَ سخرةٍ للرأسماليين، وأشباه مثقفين يعملون بوقَ دعاية للتغول الرأسمالي، يسوّقون ويروّجون هذه الدعاية السامة المدمرة كفكر وثقافة. فالرأسمالية المتغولة اليوم تفرض سيطرة شاملة وتحكما تاما في الثقافة والسياسة، ما يعني مستوى سافلا حقيرا من السياسيين والمثقفين الطيعين المنقادين للرأسمالية المتغولة المهيمنة.
فالمسألة الغربية وأزمتها المصيرية ليست قضية سياسة واقتصاد، فهذه أعراض المعضلة الغربية، لكن جوهر المعضلة الغربية التي اكتوت بنارها البشرية كلها وسببها هو المنظومة الثقافية الغربية، أي الفكرة العلمانية الرأسمالية، فقد انتهت إلى إفلاسها وفشلها التام الكامل ونتائجها الكارثية. وكان من أول مؤشرات التدهور الفكري والثقافي للمنظومة أزماتها المتعاقبة التي احتدت وتلاحقت وتراكمت وترجمت إفلاس المنظومة التام، ومعها بدأت ملامح التصدع والانهيار الحضاري الغربي تتكشف على مستوى الحضارة والدولة والمجتمع، عموديا ممثلة في أزمة الدولة القومية الغربية وعقم السياسة بوصفها حلولا لقضايا المجتمع وفساد الحكم وأنظمة الحياة وتعفن القيادة ونتن القادة، وأفقيا على مستوى المجتمع وانشطاره الثقافي وتشوهه الحضاري وانحلاله الاجتماعي وتنافر جماعته وتدابرها وتشظيها لجماعات متطاحنة متحفزة لحروبها الأهلية.
والمنظومة الرأسمالية اليوم وصلت إلى حالة متعفنة متقدمة، ونتن التحلل طفا وطغى على سطحها، فموت الغرب وبوادر الفناء هي المعضلة المستعصية التي تؤرق دوائر الغرب، وقد لاحت كل أشراطها، فهناك تآكل المنظومة فكريا، واليوم هي تعيش حالة شبيهة بالسكتة الدماغية، فالإنشاء الفكري يكاد يكون تكرارا لما سبق. صرح وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر “أن العالم في حالة فوضى وأن الولايات المتحدة تواجه مشكلة كيفية إنشاء نظام عالمي”. تآكلَ الاقتصاد الذي يُعدّ الحجر الأساس في البناء الرأسمالي، فالغرب ودولته الأولى غارقة في مستنقع ديونها وطباعة أوراقها السامة وزيف فقاعة المال الافتراضي، ولقد كانت أزمة 2008 علامة فارقة، فقد ضربت رأس الهرم في البناء الرأسمالي (البنوك الكبرى) التي تُعدّ محرك الحركة الاقتصادية الرأسمالية وقلب الاقتصاد الرأسمالي.وتآكلت القوة العسكرية، فما جرى في أفغانستان على المستوى العسكري هو فضيحة مدوية،لا لأمريكا وحسب، ولكن لحلفها الأطلسي كذلك، ومن قبل كان تلزيم العراق وأفغانستان لدويلات الهامش بعد أن عاينت لجنة بيكر وهاملتون حجم العطب العسكري الأمريكي، وها هي أمريكا اليوم تنتهي إلى أزمتها العسكرية الإستراتيجية المدمرة مع حربها ضد إيران، وها هي اليوم تغوص في نفق مأزقها الإستراتيجي المظلم الخانق.
ثم ذلك المنزلق الخطير؛ ذلك الانقسام الذي ينخر المنظومة الرأسمالية من أحشائها بعد تناقض مصالح رأسمالييها والذي انعكس على مستوى المجتمع والدولة، ولقد كان ذلك الانقسام الرأسمالي من أكثر المؤشرات تعبيرا على حدة الأزمة، وكان من أخطر عناصر التفكيك والهدم للمنظومة الرأسمالية المأزومة.
ثم هناك الإفلاس القيمي الحضاري، فقد انتهى الغرب إلى الشذوذ الحضاري عبر شذوذه الجنسي والجندر وحالة شاذة من النظام والقانون للاجتماع البشري “تقنين زواج الشواذ والسحاقيات، والتحول الجنسي، وبنوك المني، وسوق البطون المستأجرة للحمل، وتقنين تبني الشواذ للأطفال، انتهاء بجحيم جزيرة إبستين، وهي حالة غير مسبوقة في الانحطاط والارتكاس الاجتماعي والشذوذ الحضاري، ما زاد من انحلال المجتمع وتفسخه وتشظيه.
واليوم دخلت المنظومة الرأسمالية طورها النهائي في التعفن والتحلل، وقد انتهى التعفن إلى الرأس والقيادة، وهي المرحلة الأخيرة المتقدمة لموت الحضارة وسقوط الدولة، بعد أن سيطر أصحاب المصالح القوية الخاصة الضيقة على مفاصل الحياة السياسية والقرار السياسي، ما جعل النظام السياسي والدولة رهينة مصالحهم وفي حالة شلل وعجز تام عن مواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بالدولة والمجتمع.
ومع هذه الفئة من أصحاب المصالح القوية الخاصة أصبح الفساد فسادا مقننا وأداة من أدوات السياسة عبر استغلال ثغرات النظام وتعميق شقوقه القانونية وتفكيك الضوابط والقيود باسم الحرية الاقتصادية والخصخصة وتشجيع الاستثمار. فبناء على أحدث التقارير الفكرية الغربية لعامي 2024 و2025 تشهد أمريكا فسادا غير مسبوق على مستوى القيادة والنخبة الحاكمة، وهذا الفساد العميق اصطلح عليه “الفساد المهيكل المقنن”. بحسب معهد بروكينجز وتشاتام هاوس الفساد ليس اليوم مجرد “رشوة موظف”، بل أصبح “استيلاءً على الدولة”عبر المال والتمويل المظلم بحسب توصيف ‘آن أبلباوم’ من تشاتام هاوس، هذا المال المظلم الذي أفسد الحياة السياسية والنخب السياسية والنخب الحاكمةيستخدم في الحملات الانتخابية مقابل النفوذ السياسي لتحقيق المصالح والمكاسب الخاصة الضيقة للطبقة الرأسمالية الفاسدة.
هذا الفساد في الاستيلاء على الدولة وتحويلها لأداة في خدمة الطبقة الرأسمالية وتحويل وظيفتها لتحصيل المنفعة الخاصة للرأسمالي المتنفذ صاحب المال والسلطة، تمخض عن هذا الفساد نخبة وقيادة سياسية فاسدة وحياة سياسية فاسدة، ومعها تزييف للواقع الفاسد واستقطاب سام حاد وجمود سياسي للإبقاء على الوضع القائم الفاسد خدمة لحفنة من أباطرة المال الممسكين بكل خيوط السلطة.
كما أن فساد النخبة السياسية والقيادة أسفر عن تقويض المحاسبة والقضاء عبر تسييس التعيينات والترقيات في أجهزة الرقابة والقضاء والإدارة، ونخر سوس الفساد هياكل الدولةوأجهزتها وإداراتهاوحياة المجتمع.
وأدى فساد القيادة إلى تغول رأسمالي غير مسبوق، تحولت معه فئة أصحاب المال والسلطة إلى أوليغارشية رأسمالية،تقبض بقبضة من حديد على كل مفاصل الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، وتتحكم تحكما مطلقا في السياسة والاقتصاد والأمن والعسكر والتعليم والإعلام والقضاء والإدارة، فحولت القوانيَن والسياسات إلى مجرد أدوات تقنية لخدمة مصالحها، فتآكلت معها سيادة القانون وسلطة الدولة، وأصبح المال السام هو السلطة والقانون، وتحولت العملية السياسية لسوق مالية رهيبة، فبحسب مركز ‘بيو’ للأبحاث بواشنطن فإن إجمالي الإنفاق على الانتخابات الفيدرالية الأمريكية لسنة 2024 بلغ 15,9 مليار دولار، وتضاعف 5 مرات منذ سنة 1990 وقدر حينها بمبلغ 3 مليار دولار. وهكذا أصبح العمل السياسي مرتبطا برأس المال وليس بالكفاية السياسية والقدرات الفكرية. كما أن النفوذ السياسي بات بحجم المال المظلم لشركات التكنولوجيا والنفط والسلاح والأدوية والمصارف الكبرى وأسواق وول ستريت…
ثم إن هذه الأوليغارشية الرأسمالية بعد استيلائها على الدولة حولتها لملكيتها الخاصة باسم الخصخصة، فحوّلت مهام الدولة ووظائفها إلى القطاع الخاص، وحولت بذلك الأوليغارشية الرأسمالية مهام الدولة ووظائفها إلى خدمات تتاجر فيها وبها عبر شركاتها، وأصبحت الدولة زبونا عند الشركات الرأسمالية تتربح منها.
ولقد أسس لخصخصة الدولة وكيل الليبرالية الجديدة رونالد ريغان الذي عُين رئيسا لأمريكا في الثمانينات من القرن الماضي، فقد شكل لجنة رئاسية مهمتها إلغاء الحدود بين الوظائف الحكومية والخاصة وإلغاء القيود، وكانت هذه الخصخصة تأسيسا لعملية استيلاء على الدولة من طرف الرأسمالية، وسار على نهجه بوش وكلينتون ومن تلاهم، حيث أظهرت دراسة أجريت أواخر التسعينات تضاعف الوظائف الحكومية التي تحولت إلى القطاع الخاص، وقدر عدد الأفراد العاملين بالقطاع الخاص مع أدائهم مهاما حكومية فيدرالية بنحو 8,5 مليون شخص.
هذه الخصخصة للدولة لم تكن طارئة،وإنما سياسة مبيتة للاستيلاء على الدولة، وشق من التغول الرأسمالي الذي اصطلح عليه في ثمانينات القرن الماضي “الليبرالية الجديدة”، وكان وكلاءَ الرأسماليين لتنفيذها الرئيسُ الأمريكي رونالد ريغان ورئيسةُ وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر. وهكذا أصبحت كل خدمات الدولة مدفوعة الثمن، تتربح منها الأوليغارشية الرأسمالية، وانتقلت وظائف الدولة والحكومة الأمريكية إلى مستشاري الشركات الرأسمالية ومكاتبها، بل طال الأمر أخطر أجهزة الدولة الأمن والجيش، فتحول الجيش إلى مرتزقة تشرف عليهم شركات الأوليغارشية الرأسمالية، ومن نماذجها شركتا بلاك ووتر وداين كروب إبان احتلال العراق. أما على مستوى الأمن الداخلي فالحراس المأجورون باتوا ضعف ضباط الشرطة، بل حتى أكثر المهام الأمنية حساسية والمتعلقة بالمخابرات الأمريكية من أعمال الترجمة والمراقبة الإلكترونية والتحقيقات والتحليلات والتقارير والملخصات أصبحت مادةَ تربّح، وتوكل إلى الشركات الخاصة للأوليغارشية الرأسمالية، وهذه الخوصصة نخرت جسم الدولة وشملت كل الأجهزة والقطاعات، ويذكر ذلك مؤلف كتاب “هل نحن روما؟ قصة سقوط إمبراطورية ومصير أمريكا”، ولقد جرت خوصصة الإدارات والحدود والمرافق العامة والموانئ والمطارات والطرق السيارة والمستشفيات العامة والمدارس والجامعات الحكومية وأنظمة المياه والمجاري… فكلها سلع للبيع، وكأن أمريكا بلد يعرض كل ممتلكاته في مزاد علني للبيع وكأنك ببلد يبيع نفسه!
وقد انتهت الرأسمالية إلى أقصى مستويات التعفن في فساد النخبة والقيادة، وأخرحت نتنها وسلمته القيادة والرئاسة، فكان رئيسها ترامب خريج جزيرة إبستين. فترامب هو الصيرورة المنطقية لفساد القيادة، وهو الطور النهائي في تعفن النخبة الحاكمة، وهو الحالة المتقدمة لمرض سقوط الدولة وفناء الحضارة، فقد سُحق الفيلسوف والمفكر في المرحلة الرأسمالية الأولى، ثم في المرحلة الثانية قُتلت السياسة والسياسي، وها هي المرحلة الأخيرة التي تسبق الانتحار والفناء سِمَتُها فساد القادة وتعفن القيادة واستيلاء الأوليغارشية الرأسمالية على الدولة وهدمها للمجتمع.
هذه الحالة المتقدمة من تعفن الغرب الرأسمالي ونموذجها الأول أمريكا ورئيسها ترامب، يذكّر بالحالة السوفياتية وتعفُّن قيادتها قبل انهيار المنظومة الشيوعية وسقوط دولتها، ويعري هذه الحقيقة فلاديمير ميدفيديف، في كتابه «إنسان خلف الظهر»، من أن السقوط الخُلقي الذي تردى فيه ليونيد بريجنيف عندما هرم، وضعف شخصية ميخائيل غورباتشوف كانا العاملين الحاسمين في الانهيار والسقوط، ويذكر تغلغل الفساد لأول مرة في أجهزة الأمن السوفييتية في عهد بريجنيف، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات كي.جي.بي، وظهرت معه امتيازات النخبة وأبناء الحكام، وانعكس ذلك بشكل واضح علي حياة أبناء أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو وفي باقي الجمهوريات السوفياتية، وكان أبناء بريجنيف “يوري وجالينا”أفضح مثال على فساد القيادة، فقد طالت أيديهما ثروات البلاد وكأنها ملك خاص، وقد عرف عن جالينا بريجنيف أنها كانت أثرى امرأة في العالم كله فيالحليّ من الماس الفاخر والأحجار الكريمة، وكان لها سلطة ونفوذ قويان على رؤساء مناجم ومصانع الماس والحلي الروسية في إقليم “ياقوتيا”الروسي أشهر مناطق إنتاج الماس في العالم. واليوم نرى أمريكا ترامب وقد تحققت فيها كل أشراط تعفن القيادة، فالحكم بالنسبة لرئيسها ترامب هو باب لنماء ثروته واغتناء عائلته.فبعد توليه الرئاسة استغل منصبه وصلاحياته والقرارات التنظيمية المنوطة به، وأصدر عملته الرقمية “ترامب دولار”وَخوَّلَه منصبُه جنيَ أرباح خيالية في بضعة أيام تجاوزت قيمتها السوقية أكثر من 10 مليارات دولار، ولم يقف عند هذا الحد، بل تبعته زوجته وأطلقت عملتها الميمية الخاصة بها، ووصلت قيمتها السوقية إلى نحو مليار دولار خلال يومين، ثم امتيازات الصفقات والتراخيص لمشاريعه واستثماراته العقارية في السعودية والإمارات والتي كانت رئاسته عاملا حاسما في إنجازها، كما استفاد أبناؤه وقرابته من منصبه رئيسا.
ومع ترامب اختبرت أمريكا أقصى مستويات تعفن القيادة وفساد القائد، وكانت الأشهُر الأولى لإدارته الثانية وتخبطه الإستراتيجي فيها كفيلة بصناعة المأزق الإستراتيجي القاتل للدولة الأمريكية، فمع التآكل الحاد للنفوذ الاقتصادي والدبلوماسي للدولة الأمريكية، لجأ ترامب بشكل متهور إلى القوة الوحيدة المتبقية لدى أمريكا؛ قوتها العسكرية، فورط الدولة وعسكريتها في حربه ضد إيران، ضد قوة إقليمية متوسطة، في مقامرة غير محسوبة العواقب، فكشَف ضعفَ آخرِ أوراق أمريكا في الإبقاء على استمرار هيمنتها، وكشفَ أعطاب قوتها العسكرية، وفضَحَ العمى الإستراتيجي للقيادة الأمريكية، فقد لجأ ترامب بشكل متهور مع خبط وتخبط إستراتيجي تام إى قوة أمريكا العسكرية ضد إيران، فصنَع ورطته الخانقة ومأزق أمريكا الإستراتيجي المدمر، فجلّى معضلة فساد القيادة والقائد على أكمل وجه.
هذا الوضع الكارثي المأساوي الذي آلت إليه المسألة الغربية بقيادة أمريكا هو تحقيقا قطع لشرايين الحياة، فهذه القيادة المتعفنة تحت قيادة ترامب عازمة على تحويل دمارها الخاص إلى دمار شامل، ومأساتها الخاصة إلى مأساة بشرية عامة. ولقد كانت حرب ترامب على إيران لحظة مفصلية تاريخية، ترجمت المستوى الكارثي للفساد والتعفن الذي ينخر القيادة. ففي عامه الأول من ولايته الثانية صنع لأمريكا مأزقها الإستراتيجي التاريخي، وضرب هيمنتها ونظامها الدولي في مقتل، فترامب خريج جزيرة إبستين المحاط بالفاشلين الفاسدين الموالين له وإدارته المأزومة هو تجسيد فاضح صادم لأزمة القيادة وفساد القائد، فهو لا يبني شيئا إستراتيجيا، ولا يؤسس لجديد، ومهرجه من فوكس نيوز المهووس بنوادي العري المخمور الثمل الذي صيّره ترامب وزيرا للحرب لك أن تختبر نتائجه العسكرية ومدى تعفن النخبة الحاكمة، فترامب هو الحالة النهائية المتقدمة لفساد القائد، وهو معول أمريكا لحفر قبرها.
يبقى السؤال المصيري: من يملك أسباب الخلاص والنجاة من هذه المأساة التي تزداد شدة وفتكا؟ فالحل ليس في تعفن أمريكا وقبرها، بل في البديل الحضاري والسياسي لتخليص العالم من ظلمات هذه الجاهلية العمياء التي ساقها الغرب الأوروبي والأمريكي للعالم شقاء وانتحارا. وحتما لن تكون الصين، فهي استمرار لجاهلية الغرب الغاشمة في نسختها الصينية، وهي لعمري أدهى وأمرّ، بل الخلاص الخلاص بإسلام رب الخلائق كلها ومشروع الإسلام الحضاري المتفرد وخلافته الراشدة الفريدة المتميزة، فهلا حث أبناء الإسلام الخُطا لهدم الكفر بكل تلوناته وأصنافه وأقاموا للإسلام صرحه وبنيانه؛ خلافة على منهاج النبوة تنشر عدله ورحمته بالناس جميعا، ويقودها خير الناس من خلقه.
﴿الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
1447-11-28