أمريكا والصين: نحو إعادة تشكيل النظام العالمي؟
ساعة واحدة مضت
كلمات الأعداد
16 زيارة
المهندس وسام الأطرش
مقدمة
منذ سقوط الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي وبروز عهد أحادية القطبية، سعت أمريكا في قيادتها للمعسكر الغربي إلى تحجيم روسيا ومحاوطة أطرافها وجعلها دولة حتى دون نفوذ إقليمي، فحاولت إبطال مفعول ترسانتها النووية ومفعول صواريخها العابرة للقارات، وأثارت لها القلاقل في محيطها ضمن مسار انتهى بتوريطها في اجتياح واسع لأوكرانيا، كما سعت من جهة أخرى إلى تركيع الصين وإرجاعها خلف جدران سورها العظيم، فلم تنظر إليها إلا كسوق تجارية ضخمة لا بد من الاستفادة منه، وعملاق بشري يجب ترويضه. ومع ذلك استطاعت الصين بما تمتلك من قوة ومقومات لأن تصبح دولة إقليمية عظمى، لها حق النقض في مجلس الأمن، ولها أطماع وطموحات إقليمية متنامية، بل نجدها اليوم عملاقا اقتصاديا يمتلك كل مقومات الدولة الكبرى.
فهل تصعد الصين بديلا لأمريكا لتنوب مكانها في التفرد بقيادة النظام العالمي وقد كثر الحديث مؤخرا عن انهيار الإمبراطورية الأمريكية؟ أم نتجه نحو عالم متعدد الأقطاب كما يشير العديد من المفكرين والمحللين؟ وهل يلخِّص مفهوم “الحرب الباردة”الذي ساد زمن الاتحاد السوفيتي طبيعة العلاقة بين أمريكا والصين؟ أم يسيران في طريق إعادة تشكيل النظام الدولي رغم ما أثاره موضوع الرسوم الجمركية من ضجة؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة، لا بد من الإشارة إلى أن فهم التحولات الجارية في النظام الدولي لن يكون دقيقا على ضوء المفاهيم التقليدية التي حكمت القرن العشرين، وعلى رأسها مفهوم “الحرب الباردة”بصيغته الثنائية الصارمة بين قطبين متقابلين يفصل بينهما جدار مبدئي فولاذي وستار اقتصادي شبه كامل. فالمشهد الراهن لا يعكس انهياراً مفاجئاً أو سقوطا مدويا لقطب مهيمن، بقدر ما يعكس تآكلاً تدريجياً لبنية الهيمنة الأحادية التي تشكلت بعد 1991، وتحوّلاً بطيئاً نحو نظام غير مكتمل الملامح، تتداخل فيه مراكز القوة، وتتوزع فيه أدوات النفوذ بين الاقتصاد والتكنولوجيا والعسكر والحرب غير المباشرة، كما سيأتي بيانه.
في قلب هذا التحول تقف ثلاث دوائر كبرى، لها علاقة مباشرة بالأسباب التي جعلت من إيران قوة تعطيل إستراتيجية ومحور تباين دولي صنع صيغة جديدة من “الحرب الباردة”لم نعهدها سابقا، حيث شكل طوفان الأقصى انعطافة تاريخية في الصراع الدولي على الشرق الأوسط، لفتت انتباه العالم أجمع إلى حقيقة الهيمنة الأحادية الداعمة لكيان يهود، والتي أغرقتها الأحداث المتتالية في وحل المنطقة ضمن حرب استنزاف متعددة الجبهات. ففي سنة 2014 نظمت كتائب القسام أكبر عروضها العسكرية على الإطلاق، والتي أظهرت، لأول مرة، طائرات بدون طيار، ووحدات الضفادع البشرية، وصواريخ وقذائف جديدة، ولكن الرسالة التي لم يفهمها البعض آنذاك، كانت رسالة الشكر التي وجهها أبو عبيدة إلى إيران.
أما الدوائر الثلاث التي نتحدث عنها فهي كما يلي: شبكة الدعم غير المباشر بين الصين وإيران، والتحالف العسكري التقني المتصاعد بين روسيا وإيران، ثم حدود القوة الأمريكية كما تعكسها تقارير مراكز الفكر الإستراتيجية الغربية.
الصين وإيران: التمكين البنيوي داخل النظام العالمي
في هذا السياق، تبرز العلاقة بين الصين وإيران بوصفها نموذجاً دقيقاً لهذا النمط الجديد من التفاعل الدولي. فهي ليست تحالفاً عسكرياً مباشراً، ولكنها شكل من أشكال التمكين البنيوي الصامت الذي يعمل داخل النظام العالمي بدل أن يخرج منه، تعززه اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين، الموقعة في آذار/مارس 2021، وهي إطار تعاون لمدة 25 عاماً يهدف لتعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية، حيث تلتزم بكين استثمارات بقيمة 400 مليار دولار في قطاعات النفط، والغاز، والبنية التحتية، مقابل إمدادات نفطية إيرانية ثابتة ومخفضة، ما يوفر طوق نجاة لإيران في مواجهة العقوبات الأمريكية.
من جهة أخرى، تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى استمرار تدفق النفط الإيراني نحو الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين، عبر شبكات معقدة من الوسطاء وآليات الالتفاف على العقوبات. هذا التدفق لا يمثل مجرد تبادل تجاري، بل يشكل عنصر توازن اقتصادي حيوي يمكّن إيران من الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار المالي رغم الضغوط الغربية.
وفي موازاة ذلك، تكشف تقارير وزارة الخزانة الأمريكية شبكات توريد لمكونات إلكترونية وتقنيات مزدوجة الاستخدام تشمل رقائق دقيقة ومعدات اتصالات وأنظمة ملاحة، يُعاد توظيفها في تطوير قدرات عسكرية غير تقليدية، خصوصاً الطائرات المسيّرة. اللافت هنا أن العملية لا تجري عبر نقل مباشر للسلاح، بل عبر سلاسل توريد رمادية تسمح بانتقال التكنولوجيا بين الاستخدام المدني والعسكري دون خرق قانوني مباشر.
كما ذكر مسؤولون أمريكيون لصحيفة نيويورك تايمز أن شركات صينية شحنت لإيران مواد ثنائية الاستخدام تصلح لأغراض مدنية وعسكرية. وقال المسؤولون إن الصين تتّبع سياسة التحوط إزاء حرب إيران، ولم تتخذ موقفا حازما نظرا لتعدد أهدافها.
أما على المستوى التكنولوجي، فإن توسع أنظمة الملاحة الصينية “بايدو”، كما توثقه دراسات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، يعكس تحولاً أعمق في بنية القوة العالمية، حيث لم تبق منظومات الملاحة حكراً على نظام واحد، بل أصبحت جزءاً من فضاء متعدد الأقطاب يتيح إعادة توزيع القدرة التقنية عالمياً دون مواجهة مباشرة.
وفي هذا الإطار، سواء صحت التقارير الاستخباراتية الأمريكية التي تؤكد تزويد الصين لإيران بصور من الأقمار الصناعية لأهداف عسكرية أمريكية في منطقة الخليج أم لم تصح، فإنه لا يمكن فهم الدور الصيني بوصفه دعماً عسكرياً مباشراً لإيران، بل باعتباره إعادة تشكيل بطيئة لبنية القوة العالمية من داخل النظام نفسه، مع ضرورة الإشارة إلى مسألة تحوّل التكنولوجيا الفضائية التجارية إلى عنصر مزدوج الاستخدام، يمكن إدماجه في بيئات صراع إقليمي معقدة، وهو ما يعيد تشكيل طبيعة الوعي الاستخباري والعملياتي في المنطقة ويؤثر على دقة العمليات العسكرية. ولعل هذا ما ساعد إيران على إلحاق أضرار وتدمير أكثر من 228 مبنى أو قطعة من المعدات في مواقع عسكرية أمريكية منذ بدء الحرب وفقا لتحليلات واشنطن بوست.
وهكذا ترتبط هذه الديناميكية في العلاقة بين البلدين، بموقع إيران في الإستراتيجية الصينية، إذ تمثل العلاقة بين بكين وطهران أحد أعمدة مبادرة الحزام والطريق، حيث تشكل إيران عقدة جغرافية بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وممراً حيوياً للطاقة والتجارة، وهو ما يصطدم بشكل مباشر مع نظرية الهيمنة على الاختناقات الإستراتيجية التي تعتمدها أمريكا ضمن سياستها التوسعية. وهنا تبرز المفارقة الأساسية: فالصين لم تدخل الأزمة كقوة مواجهة، بل كقوة إدارة. لم تسعَ إلى تغيير موازين القوى عسكرياً، بل إلى التكيّف معها وتوظيفها سياسياً، وهذا يعكس اختلافاً في فلسفة القوة داخل النظام العالمي.
روسيا وإيران: من التقاطع السياسي إلى التكامل العسكري الصناعي
إذا كانت الصين تمارس تأثيرها عبر البنية الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، فإن روسيا تمثل الوجه الأكثر صراحة لإعادة تشكيل منطق القوة عبر التكامل العسكري المباشر.
فمنذ حرب أوكرانيا، تحولت العلاقة بين موسكو وطهران من تعاون محدود إلى نموذج متقدم من التكامل الصناعي العسكري. وتشير تقارير نشرتها وكالات مثل رويترز ووسائل إعلام دولية أخرى، إضافة إلى معهد العلوم والأمن الدولي، إلى انتقال الطائرات الإيرانية من طراز “شاهد-136″إلى الاستخدام الواسع في الجيش الروسي، ثم تطوير إنتاج محلي داخل روسيا تحت اسم “جيران-2″في منشآت صناعية داخل تتارستان. هذا التحول من التوريد إلى الإنتاج المشترك يعكس انتقال العلاقة من مستوى تبادل المنفعة إلى مستوى أعمق يتمثل في تقاسم التكنولوجيا القتالية.
وفي السياق ذاته، تشير تقارير وزارة الحرب الأمريكية إلى وجود تعاون في مجالات أنظمة التوجيه والحرب الإلكترونية، ما يعكس انتقالاً فعلياً للمعرفة العسكرية بين الطرفين، وليس مجرد علاقة شراء وبيع تقليدية.
وبذلك، تصبح العلاقة الروسية الإيرانية أقرب إلى نموذج تحالف وظيفي عسكري يهدف إلى إعادة توزيع أدوات القوة داخل النظام الدولي، لا إلى تشكيل تحالف مبدئي أو سياسي بالمعنى الكلاسيكي. في هذا السياق، لا يجب أن ننسى الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الروسي بوتين إلى بكين واجتماعه بنظيره الصيني في 02/02/2022، حيث أعلنت الدولتان (روسيا والصين) في بيان مشترك بوحدة مواقفهما في مواجهة الهيمنة الأمريكية ونادتا بتعدد الأقطاب الدولية وقالتا بأن حقبة جديدة في العلاقات الدولية قد تم تدشينها.
أمريكا والصين: تفوق مستمر داخل حدود الاستنزاف البنيوي
في مقابل هذا التشكل المتدرج لمراكز قوة متعددة، تحاول أمريكا الاحتفاظ بموقعها بوصفها أقوى قوة عسكرية وتكنولوجية في النظام الدولي، غير أن هذا التفوق لم يبق مطلقاً كما كان خلال تسعينيات القرن الماضي، كما أن تراجع أمريكا لم يعد أمرا خافيا على المهتم بالشأن الدولي.
ففي تحليلات مؤسسة راند للأبحاث بين عامي 2022 و2024، كان تأكيدٌ على وجود فجوة متزايدة بين حجم الالتزامات العسكرية الأمريكية في سيناريوهات الصراعات عالية الكثافة وبين القدرة الإنتاجية للصناعة الدفاعية، خصوصاً في مجالات الذخائر والصواريخ بعيدة المدى. كما ترى مؤسسة راند للدراسات الإستراتيجية أن العالم دخل مرحلة:”persistent competition below the threshold of war”أي منافسة دائمة تحت عتبة الحرب، وهذا توصيف مهم جداً، لأنه يعني أن الصراع مستمر دون حرب مباشرة (مع تجنب التصعيد النووي)، وحرب الاستنزاف هنا تسهم بلا شك في تآكل القوى المنخرطة في هذا الصراع الوجودي، وفي مقدمتها أمريكا التي تحمل راية الدفاع عن الحضارة الغربية المتهاوية.
كما تشير دراسات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS إلى أن طبيعة الحروب الحديثة، القائمة على الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة والمنظومات منخفضة الكلفة، تفرض ضغطاً متزايداً على نموذج التفوق العسكري الأمريكي التقليدي عالي الكلفة. كما تجد أمريكا نفسها أمام منافسة متعددة المجالات تشمل التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والفضاء، والذكاء الاصطناعي والنفوذ الجيوسياسي.
في السياق نفسه، يرى معهد بروكينغز أن التحدي الأمريكي لم يبقَ عسكرياً فقط، وإنما بات بنيوياً يتعلق بإدارة شبكة واسعة من الالتزامات العالمية في وقت واحد، في ظل تصاعد المنافسة مع الصين وعودة روسيا كقوة عسكرية فاعلة لم تخضعها كل محاولات الاستنزاف الغربي في المستنقع الأوكراني.
أما المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية IISS فيؤكد أن التفوق الأمريكي لا يزال قائماً، لكنه بات غير كافٍ لضمان هيمنة مستقرة، بل أصبح تفوقاً مشروطاً بقدرة دائمة على إدارة التشتت الإستراتيجي.
من جهة أخرى، تشير التحليلات الواردة في مقالات نيويورك تايمز وفورين بوليسي الصادرة خلال شهر أيار/مايو 2026 إلى أن التحولات الجارية في بنية القوة الدولية لا تعكس مجرد تعديل تدريجي داخل نظام أحادي القطب، بل تبرز مؤشرات أعمق على إعادة تشكل بطيئة لمفهوم الهيمنة ذاته. فمن جهة، تكشف السياسات الأمريكية توسعاً في الالتزامات الخارجية يفوق أحياناً القدرة على إدارتها بكفاية، بما يعكس إرهاقاً استراتيجياً متزايداً لدى القوة المهيمنة، ويحدّ من فاعلية نموذج الهيمنة التقليدي. ومن جهة أخرى، يشير تراجع الاعتماد على القوة الناعمة لصالح أدوات الإكراه والقوة الصلبة إلى تقلص القدرة على إنتاج النفوذ عبر الجاذبية والقبول، وهو ما يضعف أحد الأعمدة الأساسية للنظام الليبرالي الذي قادته أمريكا منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تآكلت صورة أمريكا تدريجيا بل تسارع هذا التآكل مع أزمة مضيق هرمز بنسق لفت أنظار الرأي العام الدولي، ما جعل المستشار الألماني يقول “إن واشنطن تعرّضت للإذلال”على أيدي مفاوضين إيرانيين.
ضمن هذا السياق المتوتر، تبرز السياسة الأمريكية تجاه إيران بوصفها امتداداً مباشراً لمنطق الاحتواء الإستراتيجي طويل الأمد. فقد أفادت وكالة رويترز في 02/05/2026 نقلاً عن مسؤول في البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اقترح تمديد الحصار المفروض على إيران لعدة أشهر إضافية، بهدف خنق صادراتها النفطية ودفع طهران نحو توقيع اتفاق جديد. ويأتي هذا التوجه في سياق ضغوط أمريكية مستمرة، وسط ترجيحات دبلوماسية أوروبية تشير إلى أن الوضع القائم مرشح للاستمرار لمدة طويلة دون انفراج قريب. وهكذا، ظل ترامب يستعمل كل أساليب الضغط العسكري والدبلوماسي، ويمني نفسه بإمكانية الوصول إلى اتفاق نهائي وشامل مع ممثلي إيران دون جدوى!
هذا التطور (تمديد الحصار) لا يمثل حدثاً معزولاً، بل يعكس نمطاً إستراتيجياً ثابتاً يقوم على استخدام العقوبات أداةَ إدارة للصراع ضمن “المنطقة الرمادية”، أي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ولكن أيضاً دون السماح باستقرار نهائي في العلاقة. ومع ذلك، فقد اضطرت إدارة ترامب إلى التورط في عمليتين عسكريتين مباشرتين ضد إيران (عملية مطرقة منتصف الليل في صيف 2025 وعملية الغضب الملحمي في ربيع 2026)، إلا أنها فشلت في تحقيق النتائج المرجوة تماما مثلما فشلت في ذلك عبر المفاوضات التي شكلت في غالب الأحيان مناورة سياسية للخداع والتغطية على مسار الاستهداف العسكري.
هذه الصفعات المتتالية، تفرض على ترامب أن يذهب إلى الصين بوجه مهشم ضمن قمّة أُجّلت أساسا بسبب الحرب، وهنا تشير التقارير الإعلامية إلى أن ملف إيران ومضيق هرمز سيكون في صلب المحادثات، وبعبارة أخرى، ستكون قمة استجداء للصين بصفتها وسيطا قادرا على تخفيف التوتر وفض النزاعات، وهذا يعكس ضعفا فادحا وغير معهود في إدارة أزمات الشرق الأوسط.
ومع ذلك فقد وصف ترامب زيارته إلى الصين بأنها ستكون “مهمة للغاية”، مؤكداً أن “الأمور مع بكين تسير بشكل جيد”، أو هكذا تظاهر خلال قمة الشركات الصغيرة في البيت الأبيض.
ومن المقرر عقد اللقاء النادر وجهاً لوجه، في 14 و15 أيار/مايو الجاري، وفقاً للبيت الأبيض. وتشير مصادر عدة إلى أن بكين ترى في القمة فرصة فريدة لترسيخ “علاقة أكثر استقراراً على المدى الطويل”مع أكبر منافسيها اقتصادياً وعسكرياً، وفقاً لشبكة CNN.
الفكر الإستراتيجي المعاصر: من الأحادية إلى المرحلة البينية
في ضوء هذه التحولات، فإن ما نشهده ليس حرباً باردة جديدة، بل تحول تاريخي لها نحو صيغة شبكية متعددة الأقطاب، أكثر سيولة وأقل قابلية للانغلاق. كما لا يمكن وصف صعود قوى الشرق مقابل تراجع قوى الغرب بكونه تغييرا في بنية النظام الدولي أو هدما لركائزه رغم تآكل الشرعية الدولية وتراجع الثقة في القانون الدولي والمساس بنظام وستفاليا نفسه على أعقاب قضية جزيرة غرينلاند. والسبب هو أن التنافس من داخل النظام الرأسمالي وتحت سقفه لا يغير النظام ولا يلغي قوانينه الجائرة، بل يبقيه نظاما رأسماليا يلبي حاجات رأس المال ويخدم مصالحه العابرة للقارات، كما أن تراجع أداء هذا النظام لا يعني بالضرورة أنه يواجه سقوطا قريبا، بل يعني فقط أن أداءه صار ضعيفا وعاجزا عن تلبية الحاجات البشرية المتنامية، بل الحاجات الأساسية أحيانا، وفي مقدمتها الأمن الغذائي والأمن الداخلي من حيث هما شرطان أساسيان لتحقيق الاستقرار الشامل، وهو ما لن تحصل عليه البشرية إلا في ظل نظام رباني يعالج مشكلات الإنسان بوصفه إنسانا، ويملأ هذا الفراغ الإستراتيجي القاتل. قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
هذا التحول النوعي الناتج من طبيعة النظام الرأسمالي ابتداء ثم من سياسة أمريكا داخله، لم يغب عن أبرز منظري العلاقات الدولية. فقد تحدث تشارلز كراوثامر عن “اللحظة الأحادية القطبية”بوصفها مرحلة تاريخية استثنائية وليست نظاماً دائماً. وذهب فريد زكريا إلى أن العالم يشهد “صعود الآخرين”بدل سقوط الولايات المتحدة، أي إعادة توزيع القوة عالمياً. بينما اقترح غراهام أليسون مفهوم “فخ ثيوسيديدس”لتفسير الاحتكاك البنيوي بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة. أما هنري كيسنجر فقد قدم التوصيف الأكثر دقة قبل وفاته أواخر 2023 حين رأى أن النظام الدولي دخل مرحلة “بينية”بات فيها النظام القديم غير قادر على الاستمرار، ولمّا يولد فيها نظام جديد. في حين ظلت أطروحة بول كينيدي مرجعا أساسيا حول صعود وسقوط القوى العظمى، حين ثبّت من خلالها مقولته: “عندما تتجاوز التزامات الدولة العـسكرية قدرة قاعدتها الاقتصادية على تحملها، يصبح الفشل الإستراتيجي حتمياً”. ولعل هذا ما دفع أمريكا مؤخرا لتقليل التزاماتها العسكرية في الخارج من خلال التلويح بإمكانية الخروج من الناتو، مقدمةً لسحب جنودها من بلدان أوروبية على غرار ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.
ومع ذلك يدرك الأوروبيون عدم جدية ترامب في طرحه خيار الانسحاب من الناتو، حيث قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن أمريكا ركيزة أساسية في حلف شمال الأطلسي رغم اختلاف وجهات النظر، وقلل من شأن التوتر مع ترامب، وذلك بعد إعلان واشنطن خفض عدد قواتها في ألمانيا. وأضاف ميرتس في مقابلة مع شبكة (إيه.آر.دي) الألمانية: “ما زلت على قناعة بأن الأمريكيين هم أهم شريك لنا في حلف شمال الأطلسي“.
لقد وُضع النظام الرأسمالي لخدمة حفنة من رؤوس الأموال، فجعلوا الشعوب تشقى وتعاني الويلات والحروب والأوبئة وهي تكد وتعمل ولا ترى إلا البؤس والشقاء. وسيظل العالم منهوب الثروات مسلوب الإرادة منتهك الكرامة مؤذنا بخراب هذا النظام الذي أشقى البشرية جمعاء. قال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
نحن إذن، أمام مرحلة بينية، تتعادل فيها القوى الكبرى سياسيا، وتتقارب بحكم الضرورة، مصداقا لقوله سبحانه: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾، تزامنا مع مخاض عسير تعيشه أمة الإسلام،تمهيدا لتغيير النظام الدولي على أساس عقيدتها ورؤيتها الحضارية النابعة من مبدأ الإسلام العظيم، لأنها ببساطة أمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الأمّة الوحيدة التي تمتلك بديلا سياسيا وحضاريا قادرا على انتزاع زمام المبادرة من الدول الرأسمالية وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور.
الخلاصة: نظام عالمي في حالة تشكّل لا اكتمال
في قلب هذا التشكل الجديد تقف الولايات المتحدة بصفتها المركز العسكري الأبرز في النظام العالمي، وصاحبة البنية الأوسع من التحالفات الأمنية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي. غير أن هذا التفوق اليوم ليسالبتة كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، بل أصبح يعمل داخل حدود الاستنزاف الإستراتيجي وتعدد الجبهات، ويقودها نحو حالة من الإجهاد الجيوسياسي والإرهاق الإستراتيجي. فواشنطن باتت لا تواجه خصماً واحداً، بل مجموعة من التحديات المتزامنة: صعود الصين قوةً اقتصادية وتكنولوجية كبرى تمتلك القدرة على تشكيل ساحة المعركة دون رفع رايتها عليها، وعودة روسيا فاعلا عسكريا مباشرا قادرا على التأثير في التوازنات الأوروبية، وتنامي أدوار قوى إقليمية مثل إيران التي لا تعمل بصفة دولة تقليدية فقط، بل بصفتها شبكة نفوذ ممتدة عبر ساحات متعددة، مقابل تراجع التحالفات عبر الأطلسي.
الصين تمثل في هذا السياق مركز الثقل الاقتصادي العالمي الجديد. فهي لا تنافس الولايات المتحدة عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل عبر إعادة تشكيل البنية التحتية للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والتمويل. ومن خلال أدوات مثل مشاريع الربط والبنية الرقمية وأنظمة الملاحة البديلة، تسعى بكين إلى توسيع مجال نفوذها داخل النظام القائم بدلا من الخروج عليه، وهو ما يجعلها قوة صاعدة داخل النظام لا خارجه.
أما روسيا، فهي تمثل نموذج “القوة المعطِّلة”التي لا تقوم على التفوق الاقتصادي، بل على القدرة العسكرية والردعية وإعادة إنتاج عدم الاستقرار في مناطق إستراتيجية. ويتجلى ذلك في حضورها المباشر في أوكرانيا، وتوضّعها العسكري في سوريا رغم انحساره، إضافة إلى أشكال متفاوتة من النفوذ غير المباشر في ليبيا وبعض دول الساحل الإفريقي، حيث يتخذ هذا النفوذ طابعاً مركباً يجمع بين الوجود العسكري المحدود والشبكات الأمنية غير الرسمية والتأثير السياسي المتغير.
في المقابل، تمثل إيران نموذجاً مختلفاً تماماً، إذ تجمع بين الدولة المركزية والشبكة الإقليمية غير النظامية. فهي لا تتحرك فقط داخل حدودها، بل عبر امتدادات سياسية وعسكرية في العراق ولبنان واليمن وساحات أُخَر، ما يجعلها فاعلاً شبكياً بامتياز. وفي حالة إيران والخليج تحديداً، لا يقتصر المنطق الإستراتيجي الأمريكي على فكرة “امتلاك الدولة”، بل يدور حول منع أي قوة إقليمية من تحويل موقعها الجغرافي الحساس، ولا سيما إشرافها غير المباشر على مضيق هرمز، إلى أداة ابتزاز جيوسياسي قد تؤثر في تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، والأخطر أن ينفرط العقد في المنطقة من أيدي الاستعمار ليعود التحكم بيد الأمة فتمتلك زمام الأمور وتقلب الطاولة على أعدائها في ظرف وجيز.
فإيران التي تطل جنوبا على الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب وتقع عند تقاطع طرق الطاقة والتجارة والصراعات الكبرى، لديها منفذ مباشر في الجهة الشمالية مع آسيا الوسطى والقوقاز، وهي منطقة تكتسي أهمية بالغة، فمن الناحية الإستراتيجية تُعدّ هذه المنطقـة امتداداً لروسيا في داخل آسيا وحتى الشرق الأوسط، ولا تفصلها عن روسيا أي حدود طبيعية، فلا بحار ولا محيطات، وكذلك الأمر بالنسبة للصين، فالمنطقة تعد البوابة الخلفية للصين. ونظراً لأن معظم سكان المنطقة من المسلمين، فإن الصـين تخشى تأثيرهم على المسلمين في تركستان الشرقية. ولهذه الأهمية الإستراتيجية وضعت أمريكا خططها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي لدخول المنطقة وتحجيم روسيا من جهة، وحصار الصين ومنعها من النفوذ إلى الجوار من جهة أخرى.
وسط هذه التوازنات، تقف أوروبا في موقع بالغ الخصوصية خصوصا أمام تزايد نسق الابتزاز الأمريكي. فهي قوة اقتصادية كبرى تمتلك وزناً مالياً وصناعياً ضخماً، لكنها في الوقت نفسه تعتمد أمنياً بشكل كبير على أمريكا من خلال حلف الناتو. هذا الوضع يجعلها قوة نصف مكتملة إستراتيجياً فاعلة اقتصادياً، لكنها غير مكتملة عسكرياً وسياسياً على المستوى العالمي. وبينما تسعى بعض دولها، مثل فرنسا وألمانيا، إلى بناء مفهوم الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي، فإن هذا المشروع يظل محدوداً أمام واقع التباين الداخلي في الأولويات الأوروبية والاعتماد البنيوي على المظلة الأمنية الأمريكية.
في هذا المشهد، لا تظهر أوروبا قطباً مستقلا بالمعنى التقليدي، بل قوةً اقتصادية داخل منظومة أمنية يقودها طرف آخر، وفي الوقت نفسه ساحةً رئيسة تتقاطع فيها تداعيات الصراع بين القوى الكبرى، خصوصاً في ملف الطاقة والأمن الأوروبي المرتبط مباشرة بالحرب في أوكرانيا وإعادة تشكيل العلاقة مع روسيا، ما يجعلها مهددة في أمنها القومي بمفهومه الشامل.
عند جمع هذه العناصر، يتضح أن النظام الدولي لم يبق قائما على ثنائية واضحة أو حتى تعددية مستقرة، بل على بنية انتقالية هجينة: الولايات المتحدة بصفة مركز عسكري وتحالفي، والصين بصفة مركز اقتصادي صاعد، وروسيا بصفة قوة عسكرية مُعطِّلة، وإيران بصفة فاعل إقليمي شبكي، وأوروبا بصفة قوة اقتصادية غير مكتملة الاستقلال الإستراتيجي.
وبذلك يمكننا القول إننا نعيش مرحلة إعادة توزيع غير مكتملة للقوة داخل نظام عالمي مترابط، حيث باتت السيطرة المطلقة غير ممكنة، والاستقلال الكامل غير متحقق، بل تتشكل التوازنات داخل شبكة كثيفة من الاعتماد المتبادل والتنافس المستمر، وكأننا نعيش حالة من “التعليق التاريخي”، وهي في الحقيقة فرصة تاريخية وذهبية للأمة الإسلامية كي تسترجع سلطانها المغتصب وتستعيد دورها الريادي في العالم وتُفعّل طاقاتها المعطَّلة، لبناء نظام دولي جديد يخلص البشرية من جحيم الرأسمالية.
ختاما، إن أمريكا والصين تتزاحمان على الانتصار لحضارة زائفة في عالم مأزوم على جميع الأصعدة والمستويات، وإن الخلافة الراشدة التي تنشر الخير في ربوع العالم لعائدة قريبا بإذن الله، وهي حتمية تاريخية وعقدية ينطق بها الواقع السياسي في كل ركن من أركانه، حيث تبحث البشرية عن مخرج ينقذها من ضلال الرأسمالية وبؤسها وشقائها. ولذلك، فإن الأمة الإسلامية بقيادة حزب التحرير على موعد مع نصر مبين بإذن الله، لن تهنأ فيه إلا بتحرير أرض الإسراء والمعراج من رجس يهود وفتح روما كما فتحت القسطنطينية بإذن الله. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
1447-11-28