مع القرآن الكريم: حاجة الإنسان المستمرة إلى هداية الله وحده
3 ساعات مضت
المقالات
39 زيارة
خليفة محمد- الأردن
قال تعالى:
(اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ )[الفاتحة/6].
الهدى والهداية تأتي في اللغة على غير معنى، ومثل ذلك في القرآن الكريم والسنة والنبوية، فقد أُطلِقت وأُريدَ بها إيجاد قابلية الهداية في الإنسان؛ في عدد من آيات القرآن الكريم، كمثل قوله تعالى: ]وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ[ [البلد/10] أي الاختيار بين طريق الخير وطريق الشر، ومثل قوله تعالى: ]إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا[ [الإنسان/3]، أي خلَق في الإنسان قابلية الاختيار بين الشكر والكفر، أي الإيمان والكفر. وهذا المعنى يؤكده قوله تعالى مُقسِماً بالنفس: ]فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[ [الشمس/8] أي وضع في النفس قابلية الاختيار بين الفجور والتقوى. وليس هذا المعنى مقصوداً في هذه الآية الكريمة موضع حديثنا.
والهدى والهداية جاءت في أكثر المواضع في القرآن الكريم لمعانٍ تدور حول البيان والإرشاد والدلالة والتأييد والتوفيق للحق والثبات عليه، وعلى هذه المعاني جاء طلب الهداية في هذه الآية التي نقف معها، فالمسلم يقف بين يدي الله تعالى في صلاته، وفي كل ركعة منها يسأل الله تعالى أن يهديه الصراط المستقيم، ويكرر ذلك عشرات المرات كل يوم وليلة، فما هو الصراط المستقيم؟ ولماذا هذا التكرار في اليوم والليلة؟ وكيف تكون الهداية إلى الصراط المستقيم؟ ومن هم الذين يستحقون أن يهديهم الله تعالى إلى الصراط المستقيم؟
ذكر الصراط المستقيم مرات عديدة في القرآن الكريم، وقبل ذكر ما يتيسر منها نشير إلى أنّ الله تعالى عرّف الصراط المستقيم في سورة الفاتحة بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم، وليس صراط الذين غضب الله عليهم وهم اليهود، ولا صراط الضالين وهم النصارى، أمّا الذين أنعم الله عليهم فقد ذكرهم الله سبحانه وتعالى في قوله: ]وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا[[ النساء/69] فالذين أنعم الله عليهم هم النبيون والصدّيقون والشهداء والصالحون، ومن يطع الله ورسوله يحشر معهم ويكون قد هدي إلى الصراط المستقيم، الذي هو طاعة الله ورسوله. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ]وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[ [آل عمران/101].
فالصراط المستقيم هو صراط الله تعالى كما في قوله سبحانه مخاطباً رسوله ﷺ: ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52} صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ[ [ الشورى/ 52-53]، فتدل الآيتان على أن القرآن الكريم الذي أوحاه الله سبحانه وتعالى روحاً من أمره إلى رسوله هو صراطه المستقيم، يهدي به الله من يشاء من عباده، وأنّ الرسول ﷺ يهدي إلى صراط مسقيم، وبهذا نطقت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ]وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ[[ الأنعام/126]، وقوله تعالى: ]وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[[ الأنعام/153]والإشارة بـ “هذا”في الآيتين هي إلى القرآن الكريم، فهو صراط الله المستقيم.
وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى أن الهداية أُسنِدت في مواضع من القرآن الكريم إلى الله تعالى، كقوله سبحانه: ]وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء[ [النحل/93]، وفي مواضع أخرى أُسنِدت للعبدِ، كقوله تعالى: ]مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا[ [الإسراء/15]، وفي مواضع أُسنِدت إلى القرآن الكريم، وإلى الرسل وأتباعهم كما تبيّن من قبلُ. ولا تعارض بين تلك المواضع، فالله تعالى خلق في الإنسان قابلية الهدى والضلال، بحيث يختار العبد طريق الهداية أو طريق الضلال، وطريق الهداية الذي على العبد أن يختاره ويسير عليه هو الطريق الذي أنزله الله تعالى على رسوله، وهو القرآن الكريم مع بيان الرسول ﷺله، فالعبد إن اختار هذا الطريق السويّ المستقيم وفقه الله سبحانه فيه وأيّده وثبّته ما دام يسير عليه ويتخذه منهجاً لحياته، يقول عز وجلّ: ]وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ[ [محمد/17]، ويقول أيضاً: ]وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى[[مريم/76]، وجعل سبحانه وتعالى الإيمان سبباً لتحصيل الهداية من الله تعالى، فقال سبحانه: ]وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ[ [التغابن/11]، وجعل سبحانه المجاهدة فيه سبباً لهداية العبد سبل الله تعالى، فقال سبحانه: ]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[ [العنكبوت/69]، فهداية الله تعالى خلق للقابلية أولاً، ثم توفيق فيها لمن اختارها، وهداية العبد اختيار للهداية، وهداية القرآن بيان للطريق المستقيم، وهداية الرسول دلالة وإرشاد إليه وإلى بيانه. يقول الإمام القرطبي في تفسيره [1/160]: “الْهُدَى هُدَيَانِ: هُدَى دَلَالَةٍ، وَهُوَ الَّذِي تَقْدِرُ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ] وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[ [الرعد/7]. وقال: ] وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[[الشورى/52] فَأَثْبَتَ لَهُمُ الْهُدَى الَّذِي مَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ وَالدَّعْوَةُ وَالتَّنْبِيهُ، وَتَفَرَّدَ هُوَ سُبْحَانَهُ بِالْهُدَى الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْيِيدُ وَالتَّوْفِيقُ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ]إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ[[القصص/56] فالهدى على هذا يجئ بِمَعْنَى خَلْقِ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: ]أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ[[البقرة: 5] وقوله: ]وَيَهْدِي مَن يَشَاء[[فاطر: 8]”انتهى قول القرطبي رحمه الله.
ولربما سأل سائل عن مدى أهمية الهداية للإنسان، وللجواب عن ذلك فلا بد من إدراك واقع الإنسان واختلافه عن بقية المخلوقات المحسوسة التي خلقها الله سبحانه وتعالى وقدّر فيها نظامها الذي يُصلحها وتَصْلُحُ به، ما عدا الإنسان، الذي اختاره الله سبحانه للاستخلاف في الأرض، فلم يجبره على نظام لحياته، بل أعطاه العقل ليختار النظام الذي يسير عليه. وجعل فيه حاجات عضوية وغرائز تحتاج إلى نظام لإشباعها، ولا يستطيع عقله المحدود الوصول إلى ذلك النظام الذي يحقق للإنسان العيش الهنيء، الذي يُرضي الله سبحانه وتعالى، ذلك أنّ أحكام الإنسان العقلية عرضة للاختلاف والتفاوت والتناقض والتأثر بالبيئة، فلا بد له من نظام الله تعالى الذي أنزله على رسله لهداية الناس إلى نظام الله تعالى، وإلى ما يُرضيه سبحانه، فلا عجب أن يطلب العبد المسلم أن يهديه الله سبحانه الصراط المستقيم عشرات المرات في اليوم والليلة، وأن يطلب من الله تعالى الثبات على الصراط المستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات والأرض. أما عدمُ اتباع نظام الله تعالى فهو حتماً اتباع للهوى، وهو الضلال بعينه، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك فقال سبحانه: ]وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ[ [ص/26]، وقال سبحانه: ]أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَ هُهَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ[ [الجاثية/23].
فاللهم اهدنا الصراط المستقيم.
1447-11-01