الجدل في صفات الله تبارك وتعالى
4 ساعات مضت
المقالات
38 زيارة
لقمان حرزالله
يدور في أوساط شباب المدارس والجامعات في هذه الأيام جدل حول صفات الله تبارك وتعالى، ولعل النشاط الذي قام به بعض المشايخ على وسائل التواصل الإلكتروني حول مسألة صفات الله تبارك وتعالى أثار هذه القضايا في أوساط الشباب لمتابعتهم الدائبة لوسائل التواصل هذه. ولعلنا في هذه المقالة القصيرة نلفت انتباه الشباب إلى كيفية تناول هذا الموضوع، وفهمه فهما صحيحا.
قبل أن نتحدث عن صفات الله تبارك وتعالى، لا بد أن يتبادر إلى أذهانكم سؤال مفاده: ما غاية هؤلاء الناس من إثارة مسألة صفات الله؟ هل غايتهم هداية الناس إلى الصواب؟ أم غايتهم تقسيم الأمة وجعل كل قسم ينظر إلى أخيه باعتباره عدوا؟
إن الغرب يدرك إدراكا تاما أنه لا يقوى على أمة الإسلام إذا ما اتحدت على أساس دينها، فقد جربها الروم في اليرموك، وجربها الفرنجة في الزلاقة، وجربها الصليبيون في حطين، وجربها التتار في عين جالوت، وها هي أمريكا تعاني في مجابهة الأمة وهي مجزأة، فما بالكم إذا اتحدت! فأي خطة هي أعظم بالنسبة لأمريكا وأحسن نتاجا من خطة تفريق الأمة فرقا وتمزيقها مزقا؟!
وإن أمريكا لا تستطيع أن تفرق الأمة من خلال وجه استعماري بغيض، بل تقدم إليها وجوها محلّيّةً لها سَمْتُ أهل الدين، يبثون الفرقة في الناس – بقصد أو بغير قصد – من خلال بث الطائفية وإحياء ما اندثر من فرق علم الكلام، فإذا انتشر رأي هؤلاء بين الناس، اختلف الناس اختلافا شديدا بين من يثبت لله يدا ومن ينفيها عنه، فيُكفّر الواحد منهم أخاه ويبتعد من الفهم الصحيح الذي علمنا إياه رسول الله ﷺوطبقه صحابتهﷺمن بعده رضوان الله عليهم أجمعين.
فيا ليت هؤلاء الذين يشغلونكم بمسائل أهل الكلام ينشغلون بإحياء الأمة وإقامة الخلافة وتحكيم شرع الله، فإن رسول الله ﷺلم يشغله شيء عن إقامة دولة الإسلام حتى أقامها، فقولوا لكل من يحاججكم في صفات الله عز وجل، أين أنت من قول رسول الله ﷺ: (ومَن ماتَ وليسَ في عُنُقِه بَيعةٌ ماتَ مِيتةً جاهِليَّةً) [صحيح مسلم، 1851]، قولوا لهم أين أنتم من قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ٥٠﴾ [المائدة، 50] فهؤلاء الذين يشغلون بالكم بهذه المسائل يعيشون في كنف الحكام ولا ينكرون عليهم، ويرون باطل الحكام ولا ينهونهم عنه، ويعلمون أن هؤلاء الحكام ليسوا بأولياء أمور للمؤمنين فلا يبالون بغياب البيعة من أعناقهم، كل همهم أن يلهوكم عن واجبكم تجاه أمتكم بتحريرها من براثن الاستعمار ونير الحكام ونقلها إلى رياض الإسلام بتحكيم شرع الله، وكيف يلهونكم؟ يلهونكم بأقوال البشر عن قول المعصوم، يلهونكم بمباحث الأمة إبان تيهها عن مباحث الأمة إبان نهضتها على يد رسول الله ﷺ.
إن الأمة الإسلامية حين نهضت على يد رسول الله ﷺأحياها الله تبارك وتعالى بالوحي، وعلمها رسول الله ﷺكيف تفهم هذا الوحي فبين لها مجمله، وفسر لها ما استشكل عليها في الفهم، فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا * رَّسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا﴾ [الطلاق، 10-11]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل، 44]، فكان رسول الله ﷺتنزل عليه آيات العقيدة فيبثها في قلوب أصحابه رضوان الله عليهم، فينطلقون للعمل لإعزاز دين الله لا ترهبهم زبانية قريش ولا طغيانها، يقوم أحد ضعفائهم يزأر في ساحة الكعبة بقول الله تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ * عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ﴾ [الرحمن، 1-4] ولا يبالى باجتماع طغاة قريش عليه وضربهم له، ويقوم الآخر ينافح عن ربه تبارك وتعالى، يغضب أن يقال عن نعيم الله في جنته إنه زائل، فيقول للقائل: (كذبت، نعيم الجنة لا يزول)، ولا يبالي بعينه التي فقدها في ذلك الموقف لأجل الله، وتملأ العقيدة صدر مستضعف آخر منهم فيبدو أمام سيده الذي يعذبه كالجبل الراسي، ويبدو سيده كذباب يحاول في الجبل أن يزحزحه فلا ينطق لسان الجبل إلا بقوله: (أحد أحد). لم يكن رسول الله يعلمهم في ذلك الوقت فلسفة اليونان مع أنها كانت معروفة في ذلك الزمان، بل كان يعلمهم عقيدة الإسلام صافية نقية فيتحولون إلى جبال شامخة لا يزحزحها شيء عن طريق إقامة دين الله حتى أقاموه رضي الله عنهم أجمعين.
فيا شباب، قولوا لي بالله عليكم، هل قام أحد دعاة إحياء ما اندثر من علم الكلام بالوقوف في وجه الحكام كما فعل بلال وعثمان وعبد الله بن مسعود، فإن لم يدفعهم فهمهم للعقيدة إلى الوقوف في وجه الباطل، فكيف لهم أن يدّعوا أنه لا أحد غيرهم قد فقه عقيدة الإسلام؟!
فحين أنزل الله على نبيه قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ * وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ * أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ * وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ * وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ * أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ * إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ﴾ [النحل، 15-23] لم يبحث الصحابة مسألة علم الله تعالى، هل علم الله من ذات الله أم ذات منفصلة عنه أم لا هو هو ولا هو غيره! ولم يبحث مسألة الخلق أنها خلق للذوات أم خلق للأفعال إضافة إلى خلق الذوات، بل فقهوا أن الله هو الذي خلقهم وخلق الكون والإنسان والحياة، وأنه تبارك وتعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ويعلم سرهم وعلانيتهم، وانطلقوا يعملون، فاتسق فهمهم لهذه الآيات مع الآيات التي تليها تطلب منهم العمل: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل، 36] وابتغوا الأجر من الله تعالى على صبرهم على الدعوة إلى الله كما ذكر سبحانه في الآيات التي تليها: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ * ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل، 41-42]، وعلموا أن الأمر كله لله فإن شاء عذب المشركين الذين لم يستجيبوا لدعوتهم كما في الآيات التي تلتها، ﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّئَِّاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ * أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ * أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ [النحل، 45-47] واطمأنوا بعملهم الصالح وصبرهم عليه بقول الله في الآيات التي تليها: ﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ * مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل، 96-97] فهذا نموذج من الآيات التي كانت تنزل في مكة تثبت العقيدة في قلوب المؤمنين وتدفعهم إلى العمل لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، فأكرمهم الله تبارك وتعالى بإقامة دينه في دولة امتد خيرها إلى الشرق والغرب من العالم القديم، هكذا تعامل هذا الجيل مع القرآن، على طريقة رسول اللهﷺ وليس على طريقة فلاسفة اليونان.
ثم لما دار الزمان وانتشرت الفتوحات بدأ المسلمون يواجهون الأفكار الجدلية، فقد كان أهل الكتاب يتسلحون بها ضد المسلمين؛ لا ليبينوا حقا ولا ليتبعوا صدقا، بل ليلبسوا على المسلمين أمر دينهم، فعمدوا إلى فلسفات اليونان وصاروا يناقشون المسلمين بها، فنشأت مجموعة من المسائل لم يُثِرها أحد في عهد رسول الله ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم، ومن بينها التفكر في ذات الخالق وصفاته، وعلى إثر ذلك نشأت فرق مختلفة من المسلمين أطلق عليهم علماء الكلام، وكان من بينهم المعتزلة والجبرية، ثم الأشاعرة الذين سمّوا أنفسهم أهل السنة والجماعة.
لقد تاهت هذه الفرق كلها، ولم تهتد إلى الطريق القويم الذي به يفهم القرآن ومن خلاله تقوم الحجة، وذلك لعدة أسباب، منها: أنها بدلا من أن ترجع إلى طريق القرآن القويم في الرد على أهل الكتاب، راحوا يدرسون الفلسفة اليونانية ويردون من خلال نماذجها على أهل الكتاب، ثم يستدلون على آرائهم بالأدلة التي توافقهم ويؤلون تلك الأدلة التي تخالفهم من الكتاب والسنة. ومنها: أنهم أطلقوا العنان لعقولهم فبحثوا فيما تدرك العقول وفيما لا تستطيع العقول إدراكه، فالعقل يدرك وجود الله تبارك وتعالى ولكنه يعجز عن إدراك ذاته جل وعلا، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام، 103] فذات الله تبارك وتعالى لا تقع تحت حس البشر، فكيف للعاجز المحدود أن يدرك ذات القادر المطلق الذي لا يحده حس، لا إله إلا هو.
والفهم الصحيح لا بد أن ينطلق من تمييز ما يمكن للعقل التفكير فيه مما لا يمكن له التفكير فيه، فالعقل يستطيع الإدراك إذا اجتمعت له خصال أربع: واقع، وحس، ودماغ صالح للربط، ومعلومات سابقة عن الواقع. فإذا لم يتمكن العقل من إدراك واقع ما بالحس، أو لم يكن الواقع مما تدركه الحواس فإنه لن يتمكن من إدراكه، وصفات الله ليست واقعة تحت الحس، بل هي مما بلغنا بالخبر الصادق، فقد بلغنا عن ربنا تبارك وتعالى أنه سميع بصير عليم، في قوله تعالى: ﴿مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ [لقمان، 28]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [الملك، 13] فنفهم منها أن الله يسمعنا ويرانا ويعلم سرنا وعلانيتنا، ولا تستطيع عقولنا أن تبحث في ذات الله: كيف يسمع؟ وكيف يبصر؟ وكيف يعلم؟ وهل سمعه جزء من ذاته أم لا؟ أم لا هو من ذاته ولا هو من غيره؟! وغير ذلك.
والفهم الصحيح لا بد أن ينطلق من أن الإيمان بصفات الله تبارك وتعالى لا تؤخذ إلا من النص القطعي فالإيمان لا يجوز أن ينبني على الظن، قد قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ * وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡٔٗا﴾ [النجم، 27-28] فإن القرآن نعى على مشركي مكة أنهم وصفوا الملائكة بأنهم إناث؛ ثم أشار إلى أنهم لم يبنوا إيمانهم هذا على دليل قاطع.
والفهم الصحيح لصفات الله تبارك وتعالى لا بد أن ينطلق من قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى، 11]، وقوله تعالى: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾[الأنعام، 103]، وقوله جل وعلا: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[الصافات، 180]
والفهم الصحيح لصفات الله تبارك وتعالى لا بد أن ينبني على قواعد اللغة العربية في الفهم وليس حسب مقتضيات المنطق، فنفهم الصفة التي أثبتها الله تبارك وتعالى لنفسه بالقدر الذي ذكره عن نفسه، فحين يخبرنا عن نفسه تبارك وتعالى بأنه عليم، نفهم من ذلك أن الله يعلم ما نخفي وما نعلن، ونفهم من ذلك أن الله يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، وهذا الفهم لأن الآيات جاءت دالة عليه، فقد قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران، 34]، وقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ [إبراهيم، 38] وقال: ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ﴾ [البقرة، 255]، فصفات الله تبارك وتعالى توقيفية لا يجوز أن نزيد عليها شيئا ولا أن نشرح تفاصيل لم ترد. وقد وقع علماء الكلام في فخ المنطق في الحديث عن صفات الله، فجعلوا يسرحون في بحث الصفة والموصوف، وهل الصفة هي نفس الموصوف أم هي معنى زائد عن الذات، إلى غير ذلك من أبحاث أساسها منهجية المنطق، وليس منهجية القرآن.
فاللغة العربية هي اللغة التي أنزل الله بها القرآن وبها يفهم القرآن، فقد قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر، 28] فلا تُترك اللغة العربية وما تدل عليه إلى المنطق الذي استخدمه الفلاسفة اليونان، فإن هذا هو الضلال المبين! وقد خاض هؤلاء في كثير من آيات القرآن الحكيم وأخضعوها للمنطق ورفضوا إخضاعها لقواعد اللغة عناداً، فجعلوا يختلفون في إثبات اليد لله أو نفيها عنها في تفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [الفتح، 10]، مع أن الآية ليست من الآيات التي يستدل بها على صفات الله، فيس محلا لبحث إثبات اليد لله أو نفيها عنه تبارك وتعالى، فإيراد لفظة اليد فيها إيراد مجازي على منهج العربية في تقرير المجاز وقرائنه، واللفظة في نفسها ظنية في دلالتها فلا يستدل بها على الصفات، وقد أورد الطبري في تفسيرها قوله: (وفي قوله (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة؛ لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه ﷺ، والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نصرة رسوله ﷺ، لأنهم إنما بايعوا رسول الله ﷺ على نُصرته على العدو.) وورد في تفسير القرطبي قوله: (“يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ” قِيلَ: يَدُهُ فِي الثَّوَابِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فِي الْوَفَاءِ، وَيَدُهُ فِي الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فِي الطَّاعَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ نِعْمَةُ اللَّهِ عليهم فوق ما صنعوا مِنَ الْبَيْعَةِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: قُوَّةُ اللَّهِ وَنُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ)، وقال ابن كثير في تفسيره: (يد الله فوق أيديهم) أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله ﷺ كقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة، 111] .وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: “من سل سيفه في سبيل الله، فقد بايع الله”.)
إن الذين بحثوا هذه المباحث أخطأوا في أبحاثهم، لكنهم لم يكفروا بالله تبارك وتعالى، فهم آمنوا به ربا وخالقا وحاكما ومهيمنا وسميعا وبصيرا وحافظا ومحيطا، وقد اجتهدوا فأخطأوا في نتائجهم بسبب خطئهم في طريقة فهم القرآن، فهي فرق إسلامية أصابت أو أخطأت، وقد اندثر كثير منها أو كاد، والأمة اليوم مختلفة عن الأمة في ذلك الوقت، فهي اليوم تخطو مسرعة نحو وحدتها في دولة الخلافة، فإياكم أن تخذلوها وتحبطوها وتفرقوها وتجعلوا أنفسكم حكاما عليها تكفرون هذا وتبدعون هذا من خلال إحياء ما اندثر من هذه الفرق، بل اعملوا واجتهدوا وغذوا السير لتقيموا دولة الإسلام فتعالج دولة الإسلام بمنهاجها الصافي هذه القضايا كما عالجها النبي ﷺ.
وملخص موضوع الصفات هو أن صفات الله توقيفية، فما ورد منها في النصوص القطعية ذكرناه بالقدر الذي ورد في النصوص ليس غير، فلا يجوز أن نزيد صفة لم ترد ولا أن نشرح صفة بغير ما ورد عنها بالنص القطعي.
يا شباب، كونوا جيل عمل ولا تكونوا جيل جدل، فعن ابي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: (ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هدًى كانوا عليه إلا أُوتوا الجَدَلَ، ثم تلا هذه الآيةَ بل هم قوم خصمون الآيةُ.) [صحيح ابن ماجه، 48]، والله معكم
1447-11-01