الجرأةُ في قولِ الحقّ
5 ساعات مضت
المقالات
44 زيارة
الأستاذة: عائشة الزَّعْتَري
إنَّ الصَّدعَ بالحقِّ والجرأةَ في قولِه أمرٌ أوجبه اللهُ سبحانه وتعالى، فهو فضيلةٌ يسعى لها المؤمنُ استجابةً لأمرِ الله لنيلِ رضوانِه ولتحصيلِ الدرجاتِ العُلَا، وهو أمرٌ تحتاجه جماعةُ المسلمين على الدوام، وخاصّةً في أمورِ الحكم والسياسة؛ فقولُ الحقِّ في وجهِ الحاكم الذي يلي أمرَ المسلمين ويحكمهم بما أنزل الله، ومحاسبتُه إن زلَّ أو أخطأ أو ظلم، صِمامُ أمانٍ للحفاظ على سلامةِ الحكم من إساءاتِ التطبيق، أو ما كان أعظمَ من ذلك من مخالفات.
وقد وردت نصوصٌ شرعيةٌ كثيرةٌ تحثُّ على قولِ الحق، وتذمُّ الجبن، وتعيب خشيةَ الناس بدلًا من خشيةِ الله. ومن الآيات القرآنية الكريمة التي تشير إلى وجوب قول الحق وفضله:
يقول تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ) النساء.
ويقول تعالى: (وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ٤٢)(42) البقرة. الآيةُ هنا فيها نهيٌ عن كتمان الحق ووجوبُ إظهارِه؛ ليهتدي به الناس ويتَّبعوه.
ويقول تعالى: (ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا٣٩) 39 الأحزاب. هنا يمدح اللهُ تعالى الذين يبلِّغون رسالاتِه إلى الناس ويؤدُّون الأمانة ويخشونه ولا يخافون أحدًا سواه، فلا يمنعهم طغيانُ أحدٍ أو سطوتُه عن إبلاغ رسالاتِ الله.
وممّا ورد في السنّة المطهّرة في وجوب قول الحق:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناسِ أن يقولَ بحقٍّ إذا رآه أو شهِدَه، فإنّه لا يقرِّبُ من أجلٍ ولا يباعدُ من رزقٍ» رواه الترمذي وابن ماجه.
وعن أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصالٍ من الخير: «أوصاني بألَّا أنظُرَ إلى مَن هو فوقي، وأن أنظُرَ إلى مَن هو دوني، وأوصاني بحبِّ المساكينِ والدنوِّ منهم، وأوصاني أن أصلَ رحمي وإن أدبرتْ، وأوصاني ألَّا أخافَ في الله لومةَ لائمٍ، وأوصاني أن أقولَ الحقَّ وإن كان مرًّا، وأوصاني أن أُكثرَ من قول: لا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله، فإنَّها كنزٌ من كنوزِ الجنّة» رواه أحمد والطبراني والبيهقي.
ومن دعاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي رواه عمّار بن ياسر رضي الله عنه، قال: «اللهمَّ بعلمِكَ الغيبَ وقدرتِكَ على الخلقِ، أحْيِني ما علِمتَ الحياةَ خيرًا لي، وتوفَّني إذا علِمتَ الوفاةَ خيرًا لي، اللهمَّ إنّي أسألُكَ خشيتَكَ في الغيبِ والشهادةِ، وأسألُكَ كلمةَ الحقِّ في الرضا والغضب…» أخرجه النسائي.
ومن مواقف الصحابة والسلف الصالح في الجرأة في قول الحقّ في وجه أئمتهم وحكامهم إذا ظلموا ما رواه الطبراني، قال: «خطبنا معاويةُ في يومِ جمعةٍ فقال: إنما المالُ مالُنا والفيءُ فيئُنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا، فلم يردَّ عليه أحد. فلمّا كانت الجمعةُ الثانية قال مثلَ مقالته، فلم يردَّ عليه أحد. فلمّا كانت الجمعةُ الثالثة قال مثلَ مقالته، فقام إليه رجلٌ ممن شهد المسجد فقال: كلا، بل المالُ مالُنا والفيءُ فيئُنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا.
فلمّا صلّى أمر بالرجل فأُدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس، إنّي تكلمت في أول جمعة فلم يردَّ عليَّ أحد، وفي الثانية فلم يردَّ عليَّ أحد، فلمّا كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله. سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيأتي قومٌ يتكلمون فلا يُرَدُّ عليهم، يتقاحمون في النار تَقاحُمَ القردة»، فخشيت أن يجعلني اللهُ منهم، فلمّا ردَّ هذا عليَّ أحياني أحياه الله، ورجوت أن لا يجعلني اللهُ منهم». قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى، ورجاله ثقات.
وفي رواية أخرى: عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون أمراءُ يقولون فلا يُردُّ عليهم، يتهافتون في النار يتبعُ بعضُهم بعضًا». وفي هذا الحديث النبوي الشريف تحذيرٌ من السكوت على ظلم الحاكم والخوف من عقوبته؛ فعقوبةُ الله عزّ وجلّ أعظمُ وأشدّ، وأحقُّ أن تُخشى.
وقال الإمام البخاري في التاريخ الكبير: «أنَّ عمر قال يومًا في مجلسٍ وحوله بعضُ المهاجرين والأنصار: أرأيتم لو ترخّصتُ في بعضِ الأمر، ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا. فعاد مرتين أو ثلاثًا. قال بشير بن سعد: لو فعلت قومناك تقويمَ القدح. قال عمر: أنتم إذن أنتم ».
وأخرج الإمام ابن المبارك في الزهد، قال: «أخبرنا سفيانُ بن عيينة عن موسى بن أبي عيسى قال: أتى عمرُ بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مشربةَ ابن حارثة، فوجد محمدَ بن مسلمة، فقال عمر: كيف تراني يا محمد؟ فقال: أراك والله كما أحب، وكما يحب من يحب لك الخير؛ أراك قويًّا على جمع المال، عفيفًا عنه، عادلًا في قسمه، ولو ملتَ عدلناك كما يُعدَّل السهمُ في الثقاف. فقال عمر: هاه. فقال: ولو ملتَ عدلناك كما يُعدَّل السهمُ في الثقاف. فقال: الحمد لله الذي جعلني في قومٍ إذا ملتُ عدلوني».
ورُوي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «أنه غزا مع معاوية أرضَ الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كِسَرَ الذهب بالدنانير، وكِسَرَ الفضّة بالدراهم، فقال: يا أيها الناس، إنكم تأكلون الربا. سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبتاعوا الذهبَ بالذهب، إلّا مثلًا بمثل، لا زيادةَ بينهما ولا نَظِرة. فقال له معاوية: يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا، إلّا ما كان مِن نَظِرة. فقال عبادة: أحدِّثك عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتحدِّثني عن رأيك! لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرضٍ لك عليَّ فيها إمرة. فلمّا قفل لحق بالمدينة، فقال له عمرُ بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقصّ عليه القصة وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك؛ فقبّح الله أرضًا لستَ فيها وأمثالُك. وكتب إلى معاوية: لا إمرةَ لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنّه هو الأمر» رواه ابن ماجه.
ومن مواقف السلف الصالح في الجرأة في قول الحق مواقف الإمام النووي رحمه الله، حيث عُرف بجرأته في قول الحق. وقد روى أحدُ تلاميذه عنه كما ورد في كتب التاريخ، قال: «كان النووي مواجهًا للملوك والجبابرة، ولا تأخذه في الله لومةُ لائم.
وكان إذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل، وتوصّل إلى إبلاغها. فمما كتبه وأرسلني في السعي فيه كتابٌ يتضمن العدلَ في الرعية وإزالةَ المكوس عنهم، فكان جوابُ السلطان بالإنكار والتوبيخ والتهديد. فكتب رحمه الله جوابًا لذلك الجواب، ومما جاء فيه: «… وقد أوجب الله إيضاحَ الأحكام عند الحاجة إليها، فقال الله تعالى: (وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ)، فوجب علينا حينئذ بيانه وحرم علينا السكوت».
وقال أيضًا ما موجزُه: «ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيءٌ ما دام في بيت المال شيءٌ من نقدٍ أو متاعٍ وأرضٍ وضياع تُباع أو غير ذلك، وهؤلاء علماءُ المسلمين في بلاد السلطان متفقون على هذا، وبيتُ المال بحمد الله معمور».
وقال في رده على تهديد السلطان: «وأما تهديدُ الرعية بسبب نصيحتنا وتهديدُ طائفةٍ فليس هو المرجو من عدل السلطان وحلمه! وأي حيلة لضعفاء المسلمين المغرقين في أقطار ولاية السلطان في كتابٍ كتبه بعضُ المسلمين الناصحين نصيحةً للسلطان ولهم ولا علم لهم به؟ وكيف يؤخذون به لو كان فيه ما يلام عليه؟! وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد ولا أكبر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان؛ فإني أعتقد أن هذا واجبٌ عليّ وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله تعالى: (يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ٣٩)، (وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ). وقد أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نقول الحق أينما كنا، وأن لا نخاف في الله لومةَ لائم.
وقد يلاقي المؤمنُ الأذى والاضطهاد نتيجة صدعه بالحق ومواجهة ظلم الحاكم والسلطان. وقد لاقى الدعاةُ والعلماءُ المسلمون على مر العصور الأذى نتيجة مواقفهم وثباتهم على قول الحق، مثل الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وأبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، وغيرهم.
ومن قصة الأذى الذي لقيه الإمام مالك بن أنس كما جاء في سير أعلام النبلاء للذهبي: «… وعن إسحاق الفروي وغيره قال: ضُرب مالك ونيل منه، وحُمل مغشيًّا عليه. فعن مالك قال: ضُربت فيما ضُرب فيه سعيدُ بن المسيب، ومحمدُ بن المنكدر، وربيعة، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر. وعن الليث بن سعد قال: إني لأرجو أن يرفعه الله بكل سوطٍ درجةً في الجنة. وقال مصعب بن عبد الله: قال الأصمعي: ضربه جعفر، ثم بعدُ مشيتُ بينهما حتى جعله في حلّ. وقال محمد بن جرير: كان مالك قد ضُرب بالسياط، واختلف في سبب ذلك، فحدثني العباس بن الوليد أن أبا جعفر نهى مالكًا عن حديث: (ليس على مستكره طلاق)، ثم دسّ إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس الناس، فضربه بالسياط.
هذه أمثلةٌ من حياة الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح على جرأتهم في قول الحق وثباتهم على مواقفهم، رغم تلقيهم الأذى في سبيل ذلك. وهذا في حال وجود وليِّ أمرٍ للمسلمين، فكيف بحاجتهم لقول الحق والصدع به وحالُهم اليوم حالُهم! إن الأمة اليوم تحتاج إلى الصدع بالحق احتياجًا مُلحًّا، وذلك بعد مرور عقودٍ على هدم دولة الإسلام، وضياع جماعة المسلمين، وتسلط حكام السوء عليهم؛ الذين زرعوا الخوفَ والرعبَ بين الأمة، وأنشأوا حواجزَ الصمت التي منعت الناس من قول الحق والجهر به، وجعلتهم بالعموم يقدّمون السلامة على كل مواجهة لأعداء الله والوقوف في وجه مخططاتهم؛ فجُعلت السلامة أكبرَ غنيمة، وجُعل الخوض في شؤون الأمة والصدع بالحق استهتارًا وطيشًا وجهالة!
ولكن من مكر الله أن الخير باقٍ في الأمة، وسجونُ الطغاة مليئةٌ بالعلماء والدعاة لقولهم الحق ولأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. نعم، إن الأمة اليوم تحتاج إلى من يقتحم الميادين، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بشجاعةٍ وإقدامٍ لا يخشى إلّا الله، ولا يخاف فيه لومةَ لائم؛ ليدفع الناس لحمل دينهم، وليقودهم لإقامته من جديد في الأرض. والله حسبُ المؤمنين ووليُّهم وناصرُهم، وهو نعم المولى ونعم النصير.
1447-09-25