رمضانُ لِمَنْ آمنَ واهتدى وعملَ صالحًا واتَّقى، وشَهِدَ له رمضانُ ولم يَشْهَدْ عليه
7 ساعات مضت
المقالات
63 زيارة
الأستاذ إبراهيم سلامة
بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومَن والاه. منذ سنين طويلة يأتي رمضان ويذهب، والأمَّةُ قد ادلهمَّت عليها الخُطوبُ والمحنُ والشدائدُ والفِتَن، وقد استمرأتِ الحُكمَ بغير ما أنزل الله، وهذا إثمٌ وظلمٌ عظيم، وأركنت إلى الظالمين، فاستسلمتْ لشرارها عبيدِ الكفّار ومواليهم! فكان حالُ الأمّة مصداقًا لما ورد في الحديث الشريف: «… ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ، يُجعَلُ الوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنزعُ الرُّعبُ من قلوبِ عدوِّكم؛ لِحُبِّكم الدنيا وكراهيتكم الموتَ».
أفلا نسأل أنفسنا: أين رمضان منَّا؟ وأين نحن من رمضان؟ شهر الخير والبركة والرحمة والغفران، شهر الطاعة والصلاة والدعاء. قال الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ١٨٦) [البقرة: 186]. اللهُ تبارك وتعالى، بفضلِه وكرمِه ومِنَّتِه ونِعَمِه، يتفضَّل علينا ويُخبرنا أنَّه قريبٌ منَّا؛ فلا ترجوا أحدًا إلا الله، إنَّه نعم المولى ونعم النصير. إنَّه قريبٌ يُجيب دعاءنا ويسمع نداءنا:(فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ).وهذه الآية الكريمة من أرجى الآيات في القرآن الكريم؛ كلُّها وُدٌّ وأُنسٌ وطمأنينةٌ تبعث الرضا في قلب المؤمن، والعزيمةَ في العمل، وإخلاصَ التوجُّه لله، والطاعةَ المطلقة، والتوكُّلَ عليه؛ فتطمئنُّ قلوبُ المؤمنين بتحقيق وعد الله ورحمته ورضوانه، فيعيشون في ملاذِ أمنٍ ونفسٍ مطمئنَّة، فلا يطيعون إلا الله ورسولَه صلى الله عليه وسلم، ولا يعبدون إلا الله.
واللهُ تبارك وتعالى يُوجِّه عبادَه ويأمرهم بطاعتِه والاستجابةِ له والإيمانِ به والعملِ بشريعتِه ومنهاجِه: (فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ). فالأمرُ كلُّه بيد الله، لا مُعقِّبَ لأمرِه. والاستجابةُ لله من الرُّشد، والإيمانُ والعملُ بمنهج الله وشريعتِه، بالحُكم والتحاكم لشرع الله حصرًا وقصرًا؛ والراشدون هم الذين يستجيبون لله، فيلتزمون بشرع الله، ويأتمرون بأمره، وينتهون عن نهيه، فيُقيمون دين الله وشريعتَه ومنهاجَه الذي اختاره الله لعباده المؤمنين وللبشر كافة، وأمر به وحضَّ عليه. فالإسلامُ دينُ الحقِّ المبين، هو الرشدُ والعدلُ والإنصافُ والخيرُ العميم، وما عداه كفرٌ وضلالٌ وسفهٌ وظلمٌ وفسقٌ وعصيان.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيدِه، لتأمُرُنَّ بالمعروفِ، ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ، أو ليوشكنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عذابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجابُ لكم». فظاهرةُ عدم استجابة المسلمين لله تنبع من تشتُّت أمرهم وتفرُّقهم، واستحلالِ حرمات الله بالحكم بغير ما أنزل الله؛ فأصاب المسلمين شيءٌ من الغبش والخلل في تصوُّرهم لحقيقة الإيمان، وقد استمرؤوا إقصاء الإسلام عن الحكم وتنظيم حياة الناس، وركنوا إلى الظالمين، وأخذوا مقولات البشر وتصوراتهم وأفكارهم أساسًا للحكم والعدل والإنصاف، وهجروا شرع الله. فاستفحل الحكم الجبريُّ في بلاد المسلمين، وتولَّى شرارُهم أمرَهم، واتَّبعوا الكفّار واتخذوهم أولياء. قال الله تعالى: (فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بَِٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ) [المائدة: 44]. شريعةُ الله هي العدلُ والإنصاف، ولا تُبقي لأهل الكفر والظلم والعصيان مكانًا بين الناس؛ فتجد الظلمةَ والعصاةَ والكفارَ والمنافقين يُحاربون الإسلام والمسلمين بشتى الطرق والأساليب. والله تبارك وتعالى يأمر المسلمين ويُنَبِّههم:(فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ)؛ فلا تخشوا الناس لأيِّ حال، ولا تهابوهم، ولا يَقِفْ شيءٌ بينكم وبين الحكم بشرع الله ومنهاجه. واعلموا:(وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ)حقًّا وصدقًا. وقال تعالى: (أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠) [المائدة: 50]. سؤالٌ استنكاريٌّ فيه تقريعٌ لكلِّ مسلم لا يحكم بما أنزل الله:(وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ)؛ فمَن يجرؤ ويدَّعي أن تشريعَه وحكمَه أحسنُ من شرع الله ومنهاجِه؟! وقال تعالى: (ِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسَۡٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ١٢٠) [البقرة: 119-120]. بمعنى: اتبعوا ما أُنزل إليكم، فهو الحقُّ من ربِّكم، ولا تتَّبعوا اليهود والنصارى؛ إنهم أعداؤكم، وسيظلون يحاربونكم ويكيدون لكم، ولا يرضون عنكم (حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ)، حتى تصبحوا مثلهم كفارًا. فالحرب بيننا وبينهم حربُ عقيدةٍ ودين، وليست حربَ هذه الشعارات الزائفة من وطنيةٍ وقوميةٍ واستقلال. وحربُ فلسطين خيرُ شاهدٍ على ذلك. وأدعياءُ الوطنية والقُطْرِيَّة والقومية والثورة والاستقلال متماهُون بذُلٍّ وهوانٍ وإذعانٍ في خدمة اليهود والأمريكان؛ فأين المسلمون؟!
(قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ) على سبيل الحصر والقصر؛ هدى الله هو الهدى، وما عداه ليس بهدى، ولا يجوز اتِّباعه ولا العمل به ولا الدعوة إليه. ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر،(وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ). بمعنى: هل نحن على العهد والميثاق، ليكون رمضان شاهدًا لنا على طاعة الله، وتنفيذ أمره، والانتهاء عن نهيه؟ هل نحن متمسِّكون بكتاب الله وعهده وميثاقه، مستجيبون لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، مؤمنون بالله ورسله وكتبه حقَّ الإيمان؟ قال الله تعالى: (وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ١٧٠) [الأعراف: 170]. فالتمسُّك بكتاب الله يعني العملَ بأحكامه، والامتثالَ لأمره ونهيه، باتِّباع نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهاجه، بالسمع والطاعة المطلقة، والعبادة الصادقة القائمة على تسيير شؤون حياة الناس وحكمها بكتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بالتجرُّد لله، والتوكُّل عليه، والتوجُّه إليه، والعمل بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم حصرًا وقصرًا.
ومن صفات أهل رمضان أنهم يعلمون (أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ) فيتَّبعونه: (۞أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ ٢٠ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١ وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢)[الرعد: 19-22]. فمَن عَلِم وآمن وعمل صالحًا بمقتضى إيمانِه ثم اهتدى، ورسَّخ العقيدة والإيمان في حياة الناس بالحكم والتحاكم لكتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فهو ممَّن يرجى له الفلاح.
والكفرُ ضلالٌ وجهلٌ وعَمًى في البصر والبصيرة؛ فلا يؤمن الكفّار بالله، ولا يتَّبعون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحكمون بكتاب الله. (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ):أولئك الذين يتذكَّرون إذا ذُكِّروا، وتخشع قلوبُهم لذكر الله وآياته؛ فقلوبهم وعقولهم مُدركةٌ لوجوب طاعة الله والتزام شريعته ومنهاجه، فيحكمون بما أُنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، و**( يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ)**. وعهدُ الله: الإيمانُ به وبرسوله صلى الله عليه وسلم، والعملُ بكتابه وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو أساسُ كلِّ عهدٍ وميثاق، لا ينقضُه المؤمن ولا يتعدَّى العملَ به لغيره. ثم يأتي الالتزامُ بكلِّ عهدٍ وميثاقٍ تمَّ بين المسلمين وغيرهم حسب شرع الله، وما كان خارج شرع الله فلا قيمة له. (وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ):هي الطاعةُ الكاملةُ المخلِصةُ الصادقةُ لأمر الله على الإطلاق، خشيةَ عذابه ورجاءَ رحمته. والتقوى تعمُر قلوبَهم، ويحاسبون أنفسَهم قبل يوم الحساب. ( وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ):يصبرون لوجه الله وطاعتِه واحتسابِ أجرِه ورضوانِه، ولهم الحُسنى على نعمة الصبر والرضا والقناعة بنعمة الله وعطائه. (وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ):هؤلاء ممَّن يشهد لهم رمضان على طاعة الله، وممَّن يرجون استجابةَ الله لدعائهم. وقال تعالى: (وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥) [الرعد: 25]. فهؤلاء وأمثالُهم ممَّن يشهد عليهم رمضانُ بعصيانهم لله، ونقضهم للإيمان، والحكمِ بغير شرع الله، واتباعهم للكفّار، وصدِّهم عن سبيل الله، وإفسادهم في الأرض بالحكم بقوانين الكفار وأنظمتهم وما يشرِّعون من عند أنفسهم بأحكام الكفر والطاغوت.(أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ).
وقال تعالى:(فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ٥٠ وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ٥١) [الذاريات: 50-51]. التجئوا إلى الله؛ فهو (ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ)، واعتمدوا عليه وتوجَّهوا إليه وتوكَّلوا عليه في كل شأنٍ وأمر، ولا تُشركوا بالله شيئًا؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربِّه تبارك وتعالى: «أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّرك، مَن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركتُه وشِركَه» (رواه مسلم). (وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ٥٦):أمرٌ بإخلاص الطاعة لله وتوحيده سبحانه، لا إله إلا هو الحيُّ القيوم، وتنبيهٌ وتحذيرٌ متكرِّر، كلُّه غفرانٌ ورحمةٌ ورضوانٌ لعباده المُخلِصين. قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ٥٨) [الذاريات: 56-58]. إن الغايةَ والقصد من خلق الجنِّ والإنس عبادةُ الله تبارك وتعالى حصرًا وقصرًا:(وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ٥٦).فوظيفتهم في الحياة الدنيا عبادةُ الله وحده لا شريك له، العبادةُ المطلقة التي لا يأتي العبدُ فيها بأيِّ أمرٍ أو شأنٍ إلا بما أمره سيِّدُه ومولاه: عبدٌ يطيع ويعبد ربَّه كما أمره، وربٌّ يُعبد فيأمر فيُطاع؛ فتستقيم الحياة وتُسَيَّر بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
فيستقرُّ مفهوم العبودية في القلب، وتستقيم حياة الناس بالعبودية لله، فلا يأتي أحدٌ بأيِّ عمل، ولا تقوم جوارحُه وحواسُّه وعواطفُه وشعورُه بأيِّ نشاطٍ أو سكونٍ، أو فكرٍ أو تصوُّرٍ، إلا بما أمر الله به وبما نهى عنه. فتستقيم حياة الناس بالعبودية لله خالقِها: عبدٌ يعبد، وربٌّ يُعبد، يُطاع أمرُه ويُنتهى عن نهيه، وتُلتزم شريعتُه ومنهاجُه. فمدلولُ العبادة أوسعُ وأشمل ممَّا ترسَّخ في أذهان كثيرٍ من المسلمين هذه الأيام من أنها محصورةٌ في الشعائر التعبُّدية والنسك؛ بل إن العبادة تشمل جميع جوانب الحياة وشؤونها: في السياسة والحكم والاقتصاد والاجتماع والعدل والإنصاف والجهاد في سبيل الله، وخلافة الأرض وإعمارها. فالحياةُ كلُّها عبادةٌ لله، بأن تُسَيَّر بما أمر الله وبما نهى. فالعبادة هي الطاعةُ المطلقة لله بالتجرُّد إليه، بتنفيذ أمره وطاعته، والتوجُّه إليه، والتوكُّل عليه، بتنفيذ شريعته والتزام منهاجه. فيعيش الإنسان حياتَه عبدًا لله، يأتمر بأمره وينتهي عن نهيه، فيجد الطمأنينةَ في قلبه، والرضا في نفسه، بإقراره بعبوديته لله وحده لا شريك له، بتنفيذ أمر الله والتزام شريعته وإقرارها في واقع الحياة بالحكم والتحاكم، بجعل كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. وهذا يتجلّى في فهم معنى العبودية لله بأنها غايةُ الوجود، وأنها وظيفةُ الإنسان في الحياة الدنيا بإقامة دين الله وسيادة شرعه في واقع حياة الناس، بالتزام شريعة الله ومنهاجه ونشرِه والمحافظة عليه إلى أن تقوم الساعة، باتخاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوةَ والأسوة الحسنة، الواجب اتِّباعُه وتمثُّلُ أفعاله وأقواله، واتباعُ سنَّته والتزامُ نهجه ومنهاجه.
ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبلغُ مثالٍ للعبودية لله بأوضحِ وأنصعِ صورة، يجب التزامُها في الحياة بجميع جوانبها وشؤونها، طاعةً لله واقتداءً برسوله صلى الله عليه وسلم، بالرضا والتسليم. فالمسلم عبدٌ لله خالقِه وسيِّدِه، لا يشغله عن ذلك شاغل، بتجرُّده لله وتنفيذ أمره والانتهاء عن نهيه، بإقامة دين الله وشريعتِه؛ وهذه هي وظيفته في الحياة الدنيا. عندها فلا يضلُّ ولا يشقى: (فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ) [طه: 123].
والرزقُ بحدِّ ذاته مكفولٌ؛ فقد كفله الله للناس مؤمنِهم وكافرِهم، فلا يطلب أحدُنا الرزقَ بمعصية الله، ولا يظنَّنَّ أحدٌ أن الرزق بيد الحاكم الظالم فيمنعك شيئًا منه، أو بيد الحاكم الصالح فيعطيك من عنده. كلُّنا عبيدٌ لله؛ رزقُنا وأجلُنا بيده.
ولا يطلب الله تبارك وتعالى من أحدٍ أن يُطعمه أو يرزقه: (مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ٥٧). فحين يُكلِّفهم بالإنفاق على المحتاجين والمحرومين؛ فإنما لتزكية أنفسهم وتطهيرها من البخل والشحِّ، ولتطمئنَّ قلوبُهم ويرسخ في أنفسهم وحواسِّهم أن (ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ)، فلا تبخل نفوسُهم ولا تخاف فقرًا فتحجم عن الإنفاق.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّها الناسُ، اتقوا اللهَ وأجملوا في الطَّلب، فإنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تستوفيَ رزقَها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا اللهَ وأجملوا في الطَّلب، خذوا ما حلَّ ودَعوا ما حرُم». بمعنى: التزموا شرع الله في طلب الرزق، خذوا ما أحلَّ الله لكم، واتركوا ما حرَّم عليكم، ولا تستعجلوا أرزاقكم بمعصية الله، فلن تنالوا إلا ما قُدِّر لكم، وأنفقوا ممَّا رزقكم الله ولو بشقِّ تمرة. ومعنى ذلك أيضًا: ألَّا يكون الجهدُ كلُّه والعملُ مُنصبًّا على تحصيل الرزق؛ فإنه مكفولٌ من الله، فأجملوا في طلبه، ولا تطلبوه بمعصية الله، وليكن جهدُكم مُنصبًّا على تحقيق العبودية لله بإخلاص طاعته والتجرُّد إليه بإقامة دينه، وتحقيق شريعته حاكمةً ومهيمنةً على تصريف شؤون حياة الناس وتنظيمها وحكمها بالرشد والإحسان والعدل والإنصاف، بكتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. ربَّنَا اغفرْ لنا ولوالدَيْنا ولِمَن له حقٌّ علينا، وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، واعتِقِ اللهم رقابَنا ورقابَ آبائنا وأمهاتنا من النار، واجعلنا من عتقاء شهر رمضان. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيِّدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
(وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ) (يوسف: 21).
1447-09-25