الجمعة 26/شوال/1435 هـ الموافـق 22/آب/2014 مـ

صفحـة البداية
العـدد الأول
العـدد السابق
العـدد الحالي
أعـداد سابقة
تحميل وطباعـة
مواقع أخرى
  مراسلو الوعـي
  أرسـل موضوع
للمراسـلات







عدد الزوار

20414

 

العدد 251 ، السنة الثانية والعشرون ، ذو الحجة 1428هـ ، كانون أول 2007م



كيف تكون خلافة راشدة وتبقى راشدة؟

كلنا يلمس أزمة الحكم في العالم، ويلمس سوء واقع الحكم فيما يسمى بالعالم الإسلامي، وكذلك في الأنظمة الاشتراكية والرأسمالية، وكلنا أدرك ما وقع فيه نظام الحكم في تاريخ المسلمين من ظلم وجور على الرعية وتسلط على الحكم، وما حصل من تطاول الرعية على الخليفة، فاوجد الفتن والاضطرابات بين المسلمين؛ ما جعل أول عروة من عرى الإسلام تبدأ بالضعف والارتخاء حتى انفرطت عروة الحكم، فما لبثت أن انفرطت بعدها باقي العرى، فانكشف سترنا وغزي عقر دارنا.
وهذا يوجب علينا، ونحن نعمل لاستعادة عزة فقدت وإقامة دولة هدمت وتوحيد أمة تفرقت وتنازعت ففشلت وذهبت ريحها، مستبشرين بالخلافة الراشدة التي بشّربها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، أن نبحث مواطن الزلل التي وقع فيها أسلافنا، ونتمكن من إنقاذ البشرية من هذه الأزمة القاتلة، فالأمم العظيمة هي التي تنقب عن مواطن القوة في تاريخها وتتمسك بها، وتنبذ مواطن الضعف وتتحاشى الوقوع فيها، فما هي مميزات الخلافة الراشدة وما الذي يضمن للخلافة القادمة أن تكون راشدة وتستمر كذلك؟

إذا أردنا الوقوف بدقة على محاور ما يميز الخلافة الراشدة فإننا نلاحظ النقاط التالية:
أولاً: جعل العقيدة أساساً لكل حكم وقانون، وهي دافع العمل للحاكم والمحكوم: فالإسلام يطبّق بدافع تقوى الله في الفرد ثم بسلطان الدولة. والتقوى المبنية على أساس العقيدة تجعل العمل والالتزام والدعوة لوجه الله لا لعرض من الدنيا زائل....
إنّ الخلافة الراشدة هي النموذج الأكثر دقةً والتزاماً في تطبيق الإسلام وحمل دعوته بعد عهد النبوة، وإنّ ذلك كان أساسه العقيدة عند الخلفاء وعند الرعية، حيث نجد التقوى عند الخلفاء وعند عمالهم وولاتهم وقضاتهم الذين يتخيرونهم من أمثل المؤمنين إحساناً، ونجد التقوى عند الأمة التي تعرف حقها وواجبها وحق الله الذي عليها، يؤثر أفرادها على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ويتسامحون فيما بينهم... قوم هذه حالهم ففيمَ يختصمون؟ نجد الخليفة رغم قدرته لاينازع على حق له إلا في مجلس القضاء، ونجد القاضي لايحيف ولا يداهن ولا يخشى في الله لومة لائم، ونجد التقوى التي تجعل الخليفة يحنو على الأمة، وتجعله يحرص على الدين فلا ينقصُ الدين وهو حي، ونرى هذه التقوى عند الرعية التي تلتزم لأن ربَّ عمر يراها، وتنفق وتبذل النفس والنفيس في سبيل الله، ونجد الممالك والبلدان تفتح لجيوشهم والكنوز تحمل إلى بيت المال فيذهل عمر، وأمثاله، فيقول: والله إن الأيدي التي حملت كل هذا لأيدٍ أمينة، فيقول له علي، كرم الله وجهه: يا أميرالمؤمنين، عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا. نجد الخليفة يساوي نفسه بأفقر الناس فيكون أولُ من يجوع وآخرُ من يشبع، ومع ذلك لا ينجو من المحاسبة على شبر من قماش ظنوا أنه أخذها زيادة عنهم، والفاروق يقول لنفسه: «والله لتتقين الله يا عمر أو ليعذبنك» ويقول: «ويح عمر كم قتل من أطفال المسلمين» وذلك فقط لأنه لم يفرض عطاء للرضع فعجّلت الأمهات لهم الفطام. وهذا متعلق بواجب الدولة وصفة رعايتها. هؤلاء امتثلوا بحق قول الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) [الفتح 29].
ثانياً: دقة فهم الإسلام والوعي عليه من الرعية: كيف لا وهم أهل اللغة وأقحاحها، وقد أخذوا الإسلام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، من نبعه الصافي، فلا بد لنا من وعي وفهم دقيق للإسلام، وهذا يتجلى في مئات بل آلاف المواقف المتعلقة بالحكم أو بالقضاء أو التفسير؛ لذلك فلابد من الرجوع إلى منهج الصحابة (رضي الله عنه) في فهم الإسلام، بعيداً عن شوائب التلفيق والتوفيق، وفقه الموازنات، وفقه الواقع، والضرورة، وكل شوائب مشايخ السلطان، وما جانب الصواب من مذاهب الفرق التي أخطأت السبيل في الفهم الصحيح.
ثالثاً: إحسان التطبيق للإسلام من قبل الدولة: سواء في كيفية أخذ الحكم وبيعة أهل الحل والعقد وإعطاء الأمة حقها في السلطان واختيار خليفتها، أم في تخيّر الولاة والقضاة، ومنع ما يؤدي إلى استقلالية الولاة أو أمراء الجيش أو افتتان الناس بهم، فالصديق (رضي الله عنه) يقول: «أينقص الدين وأنا حي، والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة»، وإنّ تبني الأحكام التي يُعمل بها إنما هو، للخليفة وحده، والمسلمون والعلماء والأحزاب ومجلس الأمة ينصحون ويناقشون في أي مطالبة أو اجتهاد يخالف ما تبناه الخليفة مع استمرار الطاعة حتى يقنع بصحة رأيهم، وإلا فالطاعة في غير معصية الله من أهم ما يجب أن يحرص عليه حتى لا تكون فتنة، ففي الفتنة التي نقلت الخلافة من الراشدة إلى الملك العضود مفصل لا بد من الوقوف عليه بكل اعتبار، وها هو الصديق (رضي الله عنه) يقول: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم...».
رابعاً: الحرص على حمل الإسلام بطريق الدعوة الجهاد، فهو العمل الأصلي لهذه الأمة المستخلفة والتي حملت ميراث النبوة والكتاب، حتى تكون بحق الأمة الوسط العدل التي تشهد على الناس. فهذا الصديق (رضي الله عنه) بعد أن قضى على الردة و أخضع الجزيرة لحكم الإسلام غزا فارس والروم حتى لقي ربه وجيوشه على تخوم ممالكها ، ثم الفاروق الذي أسقط فارس وفتح الشام وبيت المقدس ومصر، ثم جاء عثمان فاستمر الفتح إلى أن بلغ أواسط آسيا وبدأ بحملات لفتح القسطنطينية، ثم علي الكرارالذي واصل المسير. وهذا أيضاً متعلق بواجب الدولة وصفة حملها للإسلام.
خامساً: الأحزاب السياسية. فوجود حزب الصحابة السياسي الذي مبدؤه الإسلام، أنشأ الخلفاءَ والولاة والقضاة والفقهاء والقادة المجاهدين والمحاسبين والدعاة، ولكن رغم وجود أحزاب وجماعات بعد حزبهم لم تحرص على دقة فهم الإسلام ومحاسبة الحكام كماحرصوا، فكان الزيغ وكانت المظالم وضعفت إلى حد كبير المحاسبة، ولم ينتبهوا إلى قول الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران 104]. فلا بد من الحرص على وجوب وجود وبقاء حزب سياسي على الأقل يقوم بما ذكرته الآية من الدعوة والمحاسبة تكون العقيدة أساسها والشريعة نظام حياتها، ومنع أي حزب أو جماعة على غير أساس الإسلام أو مقياس الإسلام.
سادساً تفعيل عمل محكمة المظالم: فض التخاصم ورفع التظالم ورد التنازع إلى شرع الله كمرجعية وحيدة يحتكم إليها لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء 59] ومعناه إن تنازعتم أيها المسلمون مع أولي الأمر في شيء فردوه إلى الله والرسول، أي احتكموا إلى الشرع، والاحتكام إلى الشرع هو الرجوع إلى القضاء، ولهذا يُرجع إلى محكمة المظالم. فوجود محكمة المظالم واستمرار قيامها بواجبها وتفعيلها أمر غاية في الأهمية لرفع الظلم أو إزالة ما يُظنّ أنه ظلم يقع من الحكام على المسلمين.
سابعاًً: دور مجلس الأمة. فإن لمجلس الأمة دور كبير في النصح والمشورة، وله الحق في المحاسبة على جميع الأعمال التي تحصل بالفعل في الدولة، سواء أكانت من الأمور الداخلية أم الخارجية أم المالية أم الجيش، ورأيه ملزم فيما كان رأي الأكثرية فيه ملزماً. وإن اختلف مجلس الأمة والحكام على عمل من الناحية الشرعية يرجع فيه لرأي محكمة المظالم. قال الإمام علي (رضي الله عنه): «فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هوأملك به مني» نهج البلاغة ج2،
ثامناً: المحافظة على الوسط السياسي نقياً، نلاحظ أن أوائل عصر الخلافة الراشدة كان الصحابة (رضي الله عنه) محافظين على نقاء الوسط السياسي، ولم يسمح لهم أمير المؤمنين عمر (رضي الله عنه) أن يتفرقوا في الأمصار. وأما في أواخر عهدها فقد تفرقوا في الأمصار ودخل الدخن على الوسط السياسي ففقد نقاءه؛ لذلك لابد من المحافظة باستمرار على بقاء نقاء الوسط السياسي حول الخليفة. أخرج البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ. بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى».
يقول الحق تبارك وتعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور 55]. فالضمانة التي تجعل قيام الخلافة راشدة وتحفظها لتبقى راشدة هي في قوله تعالى آمنوا وعملوا الصالحات، ثم قوله يعبدونني لايشركون بي شيئاً؛ لذلك فالإيمان الإيمان وصالح الأعمال، لعل الله يرى من هو أهل لنصره واستخلافه وتمكينه وأمنه.
عندما ألغى مصطفى كمال، أخزاه الله، الخلافة وأدخل العلمنة كان يجب على المسلمين منعه بالسلاح.
أما حين تكون الدار دار كفر أصيلة، أو عادت الى الكفر واستقرت عليه، فهذه تحتاج إلى جهد كبير من العمل الفكري والدعوة بالحجة لتهيئتها للتحول إلى دار إسلام.. ثم طلب النصرة للأخذ بالسلطة.
هذه الآليات الشرعية التي تعتبر واجبة التطبيق، سيتم تطبيقها، إن شاء الله، من قبل الدولة، الخلافة الموعودة قريباً بإذن الله تعالى، من خلال حُسن تطبيق الإسلام وحمل دعوته بطريق الجهاد، ومن قبل الأمة من خلال الأحزاب السياسية، ومن خلال محكمة المظالم ومن خلال مجلس الأمة وعلمائها، فإن الخلافة القادمة ستكون راشدة وتبقى راشدة كما بشر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإذن الله الذي لا يخلف الميعاد. وهاهم زعماء الكفر ترتجف فرائصهم من النور الذي بدأ يتنفس صبحه.
قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج 41].

بقلم: أبو مؤمن الشامي




لا توجد تعليقات على الموضوع

البحث في الموقع

أدوات مساعدة

طباعة الموضوع 
إرسال الموضوع لصديق
حفظ الموضوع
تعليق على الموضوع


إقرأ أيضا في هذا العدد

  • كلمة الوعي : لن تحلَّ مشاكل الباكستان إلا بإقامة الخلافة التي يدعو لها حزب التحرير
  • رياض الجنة : عدل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدل الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم)
  • مفهوم الإرهاب: أداة تحركها دول الغرب لضرب المسلمين
  • المرأة والشعارات الساذجة
  • أخبار المسلمين في العالم
  • الذنوب والمعاصي والتوبة منها
  • لا حل لمشكلة دارفور إلا بالخلافة
  • إقامة الخلافة ليست مجرد الوصول إلى الحكم
  • اعتذار
  • مع القرآن الكريم : علاقة العبودية بالحاكمية (2)
  •