العدد 12 - العـدد الثاني عشر – السـنـة الأولى – رمضان 1408هـ – أيار 1988م

رمضان شهر العبادة

كلمة «الوعي»

رمضان شهر العبادة

عبادة خالصة

قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

الحمد لله الذي شرع لنا صلاتنا وصيامنا عبادة خالصة لوجهه الكريم، وجعل الحكمة في ذلك لديه وحده.

وإنه، وإن كان كثير من المسلمين يرى في الصوم فوائد كثيرة جسمانية ونفسية… ويرى أن في الأحكام الكثيرة التي شرعت في شهر الصيام وبعده فوائد جليلة ومظاهر مهمّة، برغم ذلك، تبقى كل هذه الفوائد ثانوية بجانب واقع الصوم، وهو كونه عبادة.

يرى بعضهم أن في الصوم رياضة للنفس ومنعاً عن الشهوات، وأن في ذلك فائدة روحية كبيرة. ويرى غيرهم أن في الصوم راحة للبدن ولأجهزة الهضم وفائدة صحية عظيمة. ويستطرد آخرون فيرى في أداء الصلاة التراويح رياضة بدنية متكاملة، وأن في إخراج زكاة الفكر ما لا يخفى من تكافل وتراحم في المجتمع، وكذلك بالنسبة للعيد، إلخ… وسواء صحت هذه الآراء أو لم تصح، وسواء كان في تلك الأحكام ما يراه البعض من الفوائد الصحية أو النفسية أو لم يكن، يبقى أهم ما في شهر الصوم وأحكامه أنه عبادة خالصة لوجهه تعالى، وأنه تسليم بشرع الله تعالى وتصديق كامل برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ولا بد حين ذكر شهر الصوم من التركيز قبل كل شيء على معنى العبادة لله تعالى.

طاعة وانقياد

ولعل أهم ما في الصوم أن يدرك المسلم أنه إنما يقوم بهذا العمل، طاعة لله تعالى وتسليماً لأمره، وذلك قبل أن يدرك له فوائد جسمية أو حتى روحية. وهذا الأمر ينطبق على كل عبادة لله، وكل طاعة له فيما أمر. فالإسلام يحتم أن يسلم المسلم أمره إلى الله تعالى، ويطيعه فيما أمر، وينتهي عما نهى عنه، سواء أدرك حكمة من أمر الله ونهيه أم لم يدرك، وسواء رأى في طاعته لله تعالى خيراً أو شراً، لا بل الخير والشر يعرفهما المسلم من الشرع ومن الشرع فقط.

قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)، وقال: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). فحدد الله تعالى الإسلام بأنه انقياد وطاعة لأمره وخضوع والتزام لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

وخلاصة القول إن الإسلام طاعة لله تعالى وانقياد لأمره وتسليم بشرعه، وإنه لا بد أن يخضع المسلم هواه لأمر الله تعالى وشرعه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». وما أحسن ما اختصر ثعلب هذه المعاني فقال: الإسلام باللسان والإيمان بالقلب، فلا بد أن يُظهر المسلم بلسانه الخضوع والقبول لما جاء به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وأما الإيمان فهو أن يبطن المسلم من التصديق مثل ما يظهر.

مخلوق لله تعالى

وما أكثر ما يظهر هذا التصديق والانقياد في العبادة، والمسلم يعبد الله تعالى لمجرّد العبادة، ولمجرّد أنه مخلوق لله تعالى شأنه، دون اعتبار لأي أمر آخر. قال تعالى: (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، وقال: (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ). فإذا آمن الإنسان أنه مخلوق لله تعالى خالق كل شيء فإن عليه عبادته.

هذا، وليست العبادة في تأدية الصلاة وإخراج الزكاة وما شابه، بل كل عمل المسلم يكون عبادة إذا ما أطاع الله تعالى فيه واتبع شريعته، وهكذا فكل عمل الإنسان المسلم عبادة. والعبادة أصلاً تتعلق بفطرة الإنسان، أي بالحاجة التي تدفعه إلى تقديس م هو أقوى منه وهذه حاجة عند الإنسان إلى الخالق المدبر. وحين حاول الغربيون فصل العبادة (الدين) عن السياسة وعن الحياة فإنهم خالفوا هذه الفطرة وقيدوها، لأن هذه الفطرة وهذه الحاجة يستشعرها الإنسان في كل المواقف في حياته، حتى في السياسة، ولا بد له من تحقيق صلته بالخالق المدبر في جميع هذه المواقف.

ولذلك كان الإسلام هو الوحيد الذي وافق هذه الفطرة موافقة تامة، فجعل الله تعالى للإنسان شريعة متكاملة تشمل كافة نواحي الحياة، وبالتالي فإن المسلم دوماً يذكر صلته بالله تعالى ويعبده في كل شؤون حياته حين يلتزم هذه الشريعة، وهذا من نعم الله تعالى، له الحمد والمنة.

لكن هناك أعمالاً معينة لا يقصد منها سوى العبادة، كالصلاة والصوم والحج وغيرها، فهذه ليس لها أية غاية وأي قصد سوى عبادة الله تعالى. وفي مثل هذا الأعمال فإن الإنسان يكون مستشعراً صلته بالله تعالى ـ وهي صلة المخلوق بالخالق ـ اكثر من أي وقت أو موقف آخر. فهذه الأعمال إنما هي عبادة خالصة، وعليه فلا بد من تحقيق هذا القصد حين القيام بها.

عبادة الليل والنهار

وشهر رمضان شهر مبارك، فيه نزل القرآن الكريم (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، شرع الله تعالى صوم نهاره وقيام ليله، وفرض فيه زكاة الفطر، وجعل منتهاه العيد (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). وهذه كلها عبادة لله تعالى مستمرة في كل يوم وليلة من هذا الشهر. ولذلك فإن المسلم يستشعر صلته بالله تعالى أكثر من أي وقت أو شهر آخر، لأنه في هذا الشهر يعبد الله طوال نهاره ما دام صائماً، وفي الليل إذا كان قائماً.

إن الصوم ليس له أي مبرر أو حجة عقلية تقنع العقل، إذ ما فائدة الامتناع عن الطعام والشراب من لحظة طلوع الفجر وحتى لحظة غروب الشمس؟ وما فائدة الامتناع عن الجماع في النهار وإباحته في الليل؟ وما الحكمة من تحريم دخول أي شيء إلى الجوف حتى لو أن سكيناً دخل الجوف حرم ذلك. ولما الصوم لا يبتدئ إلا برؤية الهلال بعد غروب الشمس ليلة أول الشهر، ولو علم أن الهلال قد ولد فلكياً قبل ذلك. ولما يحرم صيام يوم العيد إذا ثبتت رؤية الهلال (بالوجه الشرعي) بينما كان يجب في اليوم السابق؟

إن هذه الأمور ليس لها أي مبرر عقلي مطلقاً، غير أنه تسليم لأمر الله تعالى انقياد له، وتصديق برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإيمان أن هذا من عند الله. فما دام الله تعالى قد أمر به، وما دام قد أمر به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فإن المسلم يؤديه دون مناقشة، وبرضا كامل ودون محاكمة أو اعتراض، علم له سبباً أو لم يعلم، وجد له حكمة أو لم يجد. إنه إيمان مطلق، وتسليم بأمر الله تعالى. وإذا كان ثمة مكان لبعض محاكمة أو خلاف فإن ذلك إنما يكون في التأكيد من أن هذا هو الحكم الذي جاء به الرسول، وأن الحديث إنما يدل على هذا الحكم دون غيره.

هذه هي العبادة الكاملة: طاعة وانقياد لأمر الله تعالى مهما كان في ذلك مشقة أو تضحيات. ولذلك اتفق أكثر الفقهاء أن أحكام العبادات في الإسلام توقيفية، أي لا يجوز إعمال العقل فيها، وإنما يتبع النص الشرعي بحرفيته.

دافع أكبر

وإذا كان شهر رمضان شهر الصوم، وهو العبادة الخالصة لله تعالى التي لا يقصد منها إلى العبادة، والتي تميز حياة المسلمين في الليل والنهار، فإنه من باب أولى أن يكون ذلك دافعاً أكبر لطاعة الله تعالى فيما أمر. فإذا كان المسلم يقضي نهاره وليله متعبداً لله تعالى، أفلا يطيعه فيما أمر؟

إذا كان المسلم أقدم على هذا العمل طاعة لله تعالى وتسليماً وانقياداً، أفلا يستجيب إلى ما دعاه الله تعالى إليه؟

إنها مناسبة للعودة إلى شريعة الله كاملة، ودعوة للاحتكام لشرع الله تعالى. قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ). أفلا يستجيب المسلمون لله وللرسول؟

وشهر الصوم دافع أكبر للمسلمين كي ينفضوا عنهم حكم الكفر ونفوذ الكفار، ويبايعوا خليفة لرسول الله يحكم بينهم بكتاب الله وسنة رسوله، ويوحّد المسلمين تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويحمل دعوة الإسلام إلى العالم.

اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا الشهر شهر عودة المسلمين إلى كتابهم وسنة نبيهم، وتهديهم سواء السبيل، وتوفقهم إلى إقامة دولة الإسلام، وتجعلنا فيها من العاملين بطاعتك.

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).

أسرة «الوعي»         

شاهد أيضاً

waie383

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383) ذو الحجة 1439هـ – آب/أغسطس 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *