العدد 426-427-428 - السنة السادسة والثلاثون، رجب-شعبان-رمضان 1443هـ ، الموافق شباط-آذار-نيسان 2022م

موقف أنصار الأمس وإكرام الله لهم ووجوب نصرة دين الله اليوم

           الكاتب: أبو أيمن الأثوري – اليمن

بين الحديث عن أنصار الأمس وعنوانه إقامة دولة الإسلام الأولى على يد الرسول صلى الله عليه وسلم والحديث عن أنصار اليوم الذين تنتظر الأمة من الله سبحانه وتعالى أن يقيِّضَهم لنصرة الدعوة التي تدعو إلى إقامة دولة الخلافة الراشدة التي بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنها تقوم في آخر الزمان… تنتظر الأمة أن تخرجها هذه الخلافة مما هي فيه من حياة ضنكى، وتعيدها إلى مركز القيادة على المسرح الدولي، وبالتالي ينتظر العالم أن تخرجه مما هو فيه من توحش الرأسمالية المتوحشة التي أصبح زوالها ضرورة بشرية… فالنصرة لها رجال لا كالرجال، رجال تتقدم نصرة الدين عندهم على الدنيا بما فيها من أمن أو أهل أو مال أو جاه… رجال يحبون الله كمصعب بن عمير، وأسعد بن زرارة، وأسعد بن زرارة، أُسَيد بن حضير، وهاكم موجز قصير لرجال النصرة الأولى ليستبصر رجال النصرة اليوم بهم.

 – مصعب بن عمير رضي الله عنه: هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب. وصفه الذهبي في: «سير أعلام النبلاء» فقال: «السيد الشهيد، السابق البدري، القرشي العبدري» ولد بمكة، ونشأ فيها بين أبوين يُعدَّان من أثرى أثريائها، فأسرَّ إسلامه، ولـمَّا علم والده بذلك، لاقى الحرمان والتعذيب، فصار يحمل على أعواد القوس من الجوع والعري. بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لتعليم ودعوة أهلها. ومات شهيدًا في أُحُد في السنة الثالثة من الهجرة.

– أسعد بن زرارة رضي الله عنه: هو أسعد بن زرارة بن مالك بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، نقيب بني النجار، أبو أمامة الأنصاري الخزرجي، من كبار الصحابة، قديم الإسلام؛ شهد العقبة الأولى، والثانية، وكان من الفئة الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة الأولى بسنةٍ، وكان نقيبًا على قبيلته. وكان هو نقيب النقباء الاثني عشر، الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الكبرى، وقيل إنه أول من بايع في تلك البيعة. مات رضي الله عنه قبل بدر بمرض يأخذ بالحلق، كواه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «لأبلغن أو لأبلين في أبي أمامة عذرًا».

– سعد بن معاذ رضي الله عنه: هو سيد الأوس، سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، أبو عمر الأنصاري الأوسي الأشهلي، البدري رمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرًا، أخرج البخاري في «صحيحه» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: «قوموا إلى سيدكم أو خيركم، فقال: هؤلاء، أي بني قريظة، نزلوا على حكمك» فقال: تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم. قال: «قضيت بحكم الله، وربما قال: «بحكم الملك». ولما مات رضي الله عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد».

– أسيد بن حضير رضي الله عنه: هو أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن نافع بن امرئ القيس بن زيد بن الأشهل الأنصاري، الأوسي الأشهلي، أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة الثانية، أسلم قديمًا، وكان أبوه شريفًا مطاعًا، يدعى حضير الكتائب، وكان رئيس الأوس يوم بعاث، فقتل يومئذ قبل الهجرة بست سنين، وكان أُسيد يعد من عقلاء الأشراف، وذوي الرأي، وقد ورد في «صحيح البخاري»: «أن أسيدًا وعباد بن بشر كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخرجا في ليلة مظلمة، وإذا نور بين أيديهما حتى تفرقا، فتفرق النور معهما». وأُسَيد بن حضير هذا هو الذي تنزلت الملائكة على قراءته، كما ذكر ذلك البخاري في «صحيحه»، وتوفي رضي الله عنه سنة 20ﻫ.

يلاحظ أن هؤلاء النفر كانوا من كرام الناس وسادتهم وأثراهم، ولم يخرجهم ما هم فيه من نعيم وجاه إلا إيمان بالله صادق آثروا فيه الآخرة على الحياة الدنيا…

أما قصة النصرة وتفاصيلها، فقد ذكرتها كتب السير وأفاضت فيها وذكر بعضها ما لم يذكره الآخر حتى اكتملت تفاصيلها، وأصبحت واضحة المسلك لمن أراد أن يتأسى بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والوصول بها إلى ما وصل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من إقامة الدين بإقامة الدولة في المدينة المنوَّرة. فقد ذكرت السير أنه عندما تجمَّد مجتمع مكة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك عندما مات عمه أبو طالب وزوجته خديجة رضي الله عنها، اشتدَّ الأذى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى القبائل يدعوهم إلى الإسلام.

الرسول يبلغ الدعوة للقبائل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدِّقوه ويمنعوه حتى يبيِّن لهم عن الله ما بعثه به… كان الرسول يدعو القبائل صلى الله عليه وسلم القوية بغية نصرته وإقامة الدولة الإسلامية فيها إن هي قبلت عرضه، وقد تم له ذلك ولكن بعد عناء واصطفاء، فقد عرض دعوته تلك على كثير من القبائل فردَّته، ومنها من ردَّه شرَّ ردٍّ وطرده شرَّ طِردة… حتى اصطفى الله لهذا الفرض العظيم أهل المدينة، والذين ظهر فيما بعد أنهم كانوا من المؤمنين حقًّا… هذا وقد ذكرت كتب السير تفاصيل وافية لتكون نبراسًا للمسلمين اليوم للتأسي بها الفرض على وجهه الصحيح.

بدء إسلام الأنصار: فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه نفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة، لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا. ولما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من  الخزرج، قال «أمن موالي اليهود؟» قالوا: نعم. قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود، وكانوا معهم في بلادهم. وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًّا مبعوثًا الآن قد أظلَّ زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم!

فلما كلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله إنه لَلنبي الذي توعدكم بهم يهود، فلا يسبقنَّكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدَّقوه وقبلوا منه ماعرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنَّا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العدوان والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الذين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزُّ منك، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدَّقوا وهم فيما ذُكِر لي ستة نفر من الخزرج. فلمَّا قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبقَ دار من دور الأنصار إلَّا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بيعة العقبة الأولى:

حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا فلقُوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب، فمنهم أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان. عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك فأمركم إلى الله عزَّ وجلَّ، إن شاء عذب، وإن شاء غفر. قال ابن اسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمَّى المقرئ بالمدينة وكان يصلي بهم…

 

قصة إسلام سعد بن معاذ وأُسَيد بن حُضَير،

رَوَىْ ابْنُ إسْحَاقَ:

(وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ ابْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ ظَفَرٍ كَعْبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ- قَالَا: عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ مَرَقٍ، فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: لَا أَبَا لَكَ، انْطَلِقْ إلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَيْنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا، فَازْجُرْهُمَا وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا، قَالَ: فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْن زُرَارَةَ، قَالَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ، فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ مُصْعَبٌ: إنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ. قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَانَا إنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ؟ قَالَ: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَقَالَا: فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا: وَاَللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي إشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي. فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إنَّ وَرَائِي رَجُلًا إنْ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إلَيْكُمَا الْآنَ، سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا، قَالَ: أَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: كلّمتُ الرجلَيْن، فو الله مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا، فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ، لِيُخْفِرُوكَ.

قَالَ: فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا، تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنَّيْنِ، عَرَفَ سَعْدٌ أَنَّ أُسَيْدًا إنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، (أَمَا وَاَللَّهِ)، لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ- وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَيْ مُصْعَبُ، جَاءَكَ وَاَللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ، إنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْكَ مِنْهُمْ اثْنَانِ- قَالَ: فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ؟

قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْتَ. ثُمَّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَا: فَعَرَفْنَا وَاَللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ؛ لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.

قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا، قَالُوا: نَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ رَجَعَ إلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا (وَأَوْصَلُنَا) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا باللَّه وبرسوله.

قَالَا: فواللهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً، وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ،

بيعة العقبة الثانية

ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم، مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة. فواعدوا رسول الله العقبة، من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله.

وفد المدينة يجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم: قال: كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق. فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله لها ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه، إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد الرسول صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبًا، ونمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة (ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي).

ما جرى أثناء لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم بوفد الأنصار: قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس ابن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثَّق له. فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يامعشر الخزرج – وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار الخزرج، خزرجها وأوسها – إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عٍّز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم منه ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يارسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم!

فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر!. فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله، أبو الهيثم بن التيهان، فقال يارسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا وإنَّا قاطعوها – يعني اليهود – فهل عسيتَ إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك و تدعنا؟ فتبسم رسول الله ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم! وقد كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس..

وكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع بعدُ القوم .فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط!: يا أهل الجباجب، هل لكم في مذمم والصباة معه وقد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضو إلى رحالكم. فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنَّ على أهل منى غدًا بأسيافنا!. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم. فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيٍّ من العرب أبغض الينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ماكان من هذا شيء، وما علمناه! وقد صدَقوا لم يعلموه. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. وبهذا يكون قد وجد للرسول صلى الله عليه وسلم أنصار للإسلام. وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أقام الدولة الإسلامية.

طلب النصرة في ميزان الشرع:

يعتبر طلب النصرة من أهل القوة لإقامة الحكم بما أنزل الله هو حكم شرعي من أحكام طريقة إقامة الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي على الكتلة التي تعمل لإقامة الدولة الإسلامية أن تتأسى بها اليوم لتقيمها خلافة راشدة على منهاج النبوة. والنصرة من حيث واقعها تُطلب من أهل القوة وتُعطى لأهل الدعوة من الكتلة التي تكون قد أعدَّت شبابها ليقوموا بأعباء الدعوة وإقامة الدولة، وهيَّأت نفسها ليكون منها الخليفة ومعاونوه ووزراؤه والولاة… على الأقل عند أول قيامها… والتي تكون قد وضعت التصور الواضح للدولة الإسلامية وأركانها وقواعد الحكم فيها وسطَّرت الدستور المستنبط من الأدلة الشرعية والمنويّ الحكم به ليكون حُكمًا حقيقيًا بما أنزل الله، والتي تملك خبرة في الدعوة وحنكة في السياسة تمكِّنها من فهم أفكارها ومناوراتها وخباياها، والتي تكون قد خاضت في الدعوة وغاصت فيها حتى ما فوق الأعناق، وصبرت على أمر الله فيها حتى ذاقت أمرَّيها، وأعدت شبابها حتى غدا قسم كبير منهم رجال دولة، وعملت في الأمة حتى جعلت مطلب الخلافة رأيًا عامًا عندها… ولم يبقَ إلا أن يستجيب لدعوتها أهل قوة وإيمان ليكونوا أنصارًا لله، قال تعالى:  (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ ).

فأهل القوة من المسلمين قد طلب الله منهم أن يقوموا بدورهم في إقامة الدولة الإسلامية كما فعل الذين من قبلهم أنصار الله ورسوله. وهم إذ لم يفعلوا فسيبوؤون بإثم عظيم، فالدولة الإسلامية التي يراد إقامتها تحتاج إلى قوة لتأخذ الحكم من القوة السابقة ولتكون أهل قوة للدولة الإسلامية التي ستقوم. وهؤلاء عندما ينصرون الله فإنما يطيعون الله وينصرون دينه ولا ينصرون أحدًا غيره، بل يلتقون مع الكتلة السياسية التي أعدت نفسها كذلك طاعة لله لإقامة الخلافة التي تحكم بما أنزل الله، فالله سبحانه هو الذي أمر الكتلة السياسية أن تطلب النصرة من أهل القوة من المسلمين. وأهل القوة قد طلب الله منهم أن يستجيبوا لها عندما تطلبها هذه الكتلة منهم؛ إذًا فالأمر كله هو أمر الله، أمر الله بطلب النصرة، وأمر الله بالاستجابة لها. والله سبحانه عندما طلب من أهل القوة نصرة أهل الدعوة الساعين لإقامة الدولة فإنما طلبه حصرًا منهم، وليس من غيرهم، وهم عندما يتقاعسون عن ذلك فمعنى ذلك أن استمرار الحكم بالكفر وعدم وضع حد له سيكون المسؤول الأول عنه هم أهل القوة المتقاعسين عن نصرة الدين.

إننا عندما نقول إن الأمة قد وجد فيها الكتلة السياسية التي أعدَّت نفسها لهذه المهمة الجليلة، وعندما نرى أن الأمة بمجموعها قد حزمت أمرها للعودة إلى العيش في كنف الحكم بالإسلام، فهذا يعني أن الكرة الآن قد أصبحت في ملعب أهل النصرة، وما عليهم إلا أن يحزموا أمرهم ويتوجهوا إلى المرمى ليسدِّدوا فيه هدفهم  بإقامة أمر الله. وإن أهل النصرة عندما ينصرون الدعوة يجب أن يكونوا بإمرتها؛ لأن الشرع أمر بذلك، ومن ثم لأن قيام الدول جميعها تقوم على الحكم بالأفكار والقناعات والأنظمة وليس بالقوة، بل القوة هي لحمايتها ونصرتها.

  نعم، إن الدعوة في مكة قد بلغت غايتها بتحقيقها ثلاثة أمور أساسية لا يستغنى عن أي واحدة منها في إقامة دولة الإسلام الأولى التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهي تكمل بعضها بعضًا حتى يكتمل بها بنيان إقامة الدولة، وهذه الأمور الثلاثة هي:

المهاجرون، وهم الرسول وصحابته الذين كانوا معه في كتلة، والذين كان يتلو عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويبعث فيهم مشاعر الإيمان، والذين عاشوا معه أشد أيام الدعوة وصبروا على لأوائها، والذين اختارهم الله لنبيه ليكونوا بين يديه وزراء وولاة وقضاة، ومن بعده ليكونوا هم أهل الحكم فيه.

القاعدة الشعبية أو الحاضنة الشعبية للرسول صلى الله عليه وآله وسلَّم ولدعوته، والتي تمثَّلت بأهل المدينة المنوَّرة التي فشا فيها الإسلام إلى الدرجة التي صارت الكلمة العليا لأتباعه؛ ما جعلها أرضية صالحة لإقامة الدولة الإسلامية الأولى.

الأنصار، وهم من كان بيدهم القوة والمنعة والقدرة على تقديم الحماية للرسول ودعوته في المدينة، وهم من وضعوا قوتهم تحت إمرة الرسول صلى الله عليه وسلم كليًا. وبما أن النصرة أساس الطلب فيها هو الإيمان بالله وبالرسول ونصرة الدين؛ لذلك لم يكن جزاؤها إلا الجنة، ولم يكن فيها أيٌّ من العروض الدنيوية…

وبعدها يمكن أن يقال إنه حُقَّ لدولة فيها كتلة سياسية قامت على أساس مبدأ الإسلام على طريقة الصحابة عندما كانوا مع رسول الله في مكة… أن تقام. وحُقَّ لهذه الكتلة التي صبرت على لأواء الدعوة وحفرت طريقها بكل همة متجاوزة كل الصعوبات، واستطاعت بفضل الله ورعايته أن توجد رأيًا عامًا ينبثق عن وعي عام على الحكم بالإسلام كما حدث في المدينة، وبقي أن يستجيب لها أهل قوة من أهل الإيمان لينصروها… حُقَّ لها أن تُنصر. فما على أهل القوة من المسلمين اليوم وقد وُطِّئت لهم الطريق إلا أن يحزموا أمرهم لنصرة الدين وإقامة الخلافة، ويفتشوا عن الكتلة التي تعمل لإقامة الخلافة ليكونوا هم القوة التي تفتش عنهم. ويمكن القول إن مشروع إقامة الخلافة واقف عند هذا الباب، بل إن خلاص المسلمين اليوم بات متوقفاً عليه، ولو رجعنا إلى الوراء نلتمس نورًا من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فإننا نجد حالة مشابهة لما نحن عليه. فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب النصرة، وكان الصدُّ وقبحُ الردِّ وعدم الاستجابة هو السائد؛ ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم تغلَّب عليه بالصبر على أمر الله والإصرار حتى فتح الله له قلوب أربعة من زعماء يثرب. وتبيِّن السيرة النبوية المشرفة أن طلب النصرة طلب صعب الاستجابة له لما يحفُّه من مخاطر؛ من هنا كان لا يقدم على هذا الأمر إلا من كان صادق الإيمان قويَّهُ، مستعدًّا لأن يقدم نفسه وكل ما يملكه من عزٍّ وقوةٍ وجاهٍ لله رب العالمين، فقد ذكر ابن هشام في سيرته أن فيها مفارقة العرب وإشهار العداء للأعداء وقتل الأشراف وتهديد الولد… وماذا للذين ينصرون دين الله: لهم الجنة فقط، هذا القول يحمل معنى أن المطلوب فيمن يطلب منهم النصرة إخلاص الدين لله وحده… فلم يقدَّم لهم وعد بدنيا ولا مال وجاه ولا عز ولا مكانة… بل قدِّم لهم ما هو أكبر من ذلك؛ لذلك كانت مرتبة من يقدم النصرة اليوم كمرتبة سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لموته. وهل هناك بشارات بالنصر في الدنيا وعلو منزلة في الآخرة من مثل هذا الوعد الصادق من الرسول الكريم: «يأيها الناس، قولوا‏:‏ لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكًا في الجنة‏)‏».

نعم، إن الله سبحانه قد جعل الأنصار شركاء المهاجرين وصنوَّهم في الإكرام وبعدَهم مباشرة في المنزلة، قال تعالى: (وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠) [التوبة: 100] وقال جلَّ من قائل: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ)

[ الأنفال: 72] وقال جلَّ شأنه: (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤) [الأنفال: 74]

إن ما يشير وبشكل واضح إلى أن من يريد أن ينصر هذه الدعوة هم مسلمون شديدو الإيمان، فائقو الشعور بالمسؤولية تجاه هذا الدين ممن يحملون همَّها ويريدون إخراجها من الحصار والتضييق والحرب عليها… وهو ما تساءل النفر الأول من المسلمين في يثرب الذين استجابوا لدعوة الرسول في نصرة دعوته وحمايتها‏ بقولهم:‏ «حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف‏؟»… ونحن نتساءل اليوم: يا أهل القوة: حتى متى نترك دعوةً هي مثل دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن ننصرها ونمكنُّها‏؟‏ إلى متى نترك هذه الأمة تعاني ما تعانيه من ظلم وإجرام وإضلال وإفقار… من غير أن ندفع عنهم غائلة الظلم والقتل والضنك من أعداء الله الغربيين الكفَّار وزبانيتهم الحكَّام.

فمن منكم، أيها المسلمون، يكونون أنصار الله كما كان الأنصار باالأمس؟ وأين أنصار اليوم الذين ينصرون دين الله عز وجل بتحكيم شرعه؟ وأين المخلصون من أبناء  الأمة الإسلامية الذين لديهم القوة والمنعة؟ أين المؤثِّرون الذين لديهم القدرة على قلب الطاولة على هؤلاء الحكام الخونة؟… أليس منكم رجل رشيد يثور للأمة المكلومة على أمرها… أليس منكم رجل غيور على حال أمة الإسلام يخرجها من الذل والجور، من التشرُّد والانقسام، إلى حياة عزيرة كريمة.

يا أحفاد الأنصار، أيها المخلصون من أبناء الأمة الإسلامية، يكفينا ذلًّا وضعفًا. يكفي مئة عام ونحن متفرِّقين، والكافر المستعمر يعيث في الأرض فسادًا.

يا أحفاد المسلمين الأوائل الأبطال، أحفاد خالد والناصر صلاح الدين وقطز والظاهر بيبرس، بايعوا المخلصين من أمتكم، بايعوا حزب التحرير الذي أعدَّ مشروع دستور إسلامي لدولة خلافة إسلامية راشدة، وهو يعمل مخلصًا الدين لله لإقامة حكم الله في الأرض، لإقامة الخلافة الراشدة التي ترضي الله ورسوله، وهل هناك ما يقيم حياة المسلمين من نظام حكم، ونظام اقتصادي، ونظام اجتماعي، ونظام معاملات، وعقوبات، ومنهج تعليم وسياسة خارجية إلا الخلافة؟!… إنها فرض الله عليكم، بها تعزُّون ويعزُّ دينكم، ويذل الكفر وأهله أو تُذلُّون ويهاجَم الإسلام وينعت بأبشع الأوصاف ويظهر الكفر على الإيمان كما هو حادث اليوم من غير إقامتها… إنها النصرة أيها المسلمون، إنها حق الله عليكم يا أهل القوة من المسلمين، إنها السبيل الوحيد لإخراج الأمة الإسلامية من أدناها إلى أقصاها إلى حياة كريمة في ظل دولة الإسلام. قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ).

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *