العدد 426-427-428 - السنة السادسة والثلاثون، رجب-شعبان-رمضان 1443هـ ، الموافق شباط-آذار-نيسان 2022م

وجوب الخلافة ماضٍ إلى يوم القيامة، وإبطال فكرة (إعادة الصياغة للفقه الإسلامي)

 

محمد صدّيق الجاوي

إن الصراع بين الإسلام وغيره من الأديان والحضارات قد بدأ منذ أن أُمِرَ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدع حتى قيام الساعة، قال الله تعالى: ]فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤[ [الحجر : 94]. فمنذ ذلك الحين بدأ الصراع الفكري بين مفاهيم الإسلام وبين مفاهيم الكفر، وظل هذا الصراع موجودًا حتى يومنا هذا، لم يتوقف ولا يجوز أن يتوقف رغم أنه أضيف إليه أنواع أخرى من الصراع ومنها الصراع الاقتصادي والصراع السياسي والصراع العسكري؛ ولكن الأساس من جميع هذه الصراعات هو الصراع الفكري، فهو أساس لكل صراع على وجه الأرض حتى يوم القيامة. (حتمية صراع الحضارات، ص 31 و52, أبو الحسن علي الندوي، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، ص 7-8)

ويندرج تحت الصراع الفكري الهجوم على وجوب الخلافة في البلاد الإسلامية من قبل الكفار المستعمرين ثم من قبل عملائهم الفكريين من المسلمين. وللأسف الشديد نرى اليوم وجود بعض المسلمين المتأثرين بالأفكار الغربية الذين يهاجمون وجوب الخلافة بدلًا عن الدفاع عن وجوبها أمام هجوم الكفار. ووجوب الخلافة في الشرع أمر متفق عليه بين الأمة الإسلامية. قال الإمام القرطبي: «ولا خلاف في وجوب ذلك (أي الخلافة) بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصمّ؛ حيث كان عن الشريعة أصمّ. وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه». (تفسير القرطبي، 1/264). ونحن في هذا المقال سنأخذ أقوال أحد الذين يهاجمون إقامة دولة إسلامية، وهو وزير الشؤون الدينية الإندونيسية ياقوت خليل قَوماس كنموذج لأصحاب هذا التوجه.

ومثل تلك المهاجمة ما قاله الوزير في الشؤون الدينية الإندونيسية ياقوت خليل قَوماس في كلمة الافتتاح التي ألقاها في المؤتر السنوي  الدولي العشرين في الدراسات الإسلامية (AICIS) في مدينة سوراكارتا، محافظة جاوى الوسطى، إندونيسيا يوم الاثنين (25/20/2021م) . وموضوع المؤتمر هو: «الإسلام في ظلّ عالمي متغيّر: إعادة التفكير في إعادة الصياغة للفقه الإسلامي (recontextualization of Islamic fiqh) والسياسة العامة». ويقول الوزير: «أي محاولة لإقامة دولة إسلامية أي الإمامة العظمى العالمية (الإمامة الكبرى) والمعروفة أيضًا باسم الخلافة – لن تؤدي إلا إلى كارثة للمسلمين؛ حيث سيكون هناك العديد من الأطراف التي تتنافس للسيطرة على المسلمين في جميع أنحاء العالم».[1] فبذلك يرفض الوزير وجوب الخلافة بناء على ما يسمَّى بـ(إعادة الصياغة) للفقه الإسلامي، والذي يمكن أن يعرّف بأنه تغيير بعض عناصر الفقه الإسلامي كالخلافة والجهاد لكي يتناسب مع واقع الحضارة المعاصرة.

 وإعادة الصياغة للفقه الإسلامي عنده مبنية على أساسين: الأول، أن الفقه الإسلامي إنما هو النتاج الفكري القديم الذي قد اكتمل وانتهى وتجمّد في أواخر القرون الوسطى، هذا من جهة. والثاني، أنه قد حصل التغيير الواسع في كثير من نواحي الحياة للمسلمين تحت ما يسمى بواقع الحضارة المعاصرة، وأصبحت حياة المسلمين تنظمها الأفكار من الحضارة الغربية مثل فكرة الدولة القومية (nation-state) في إطار شكل الدولة وفكرة الديمقراطية في نظام الحكم وفكرة الرأسمالية في النظام الاقتصادي. وبناء على هذين الأساسين يرى أن هناك بعض عناصر الفقه الإسلامي يعتبر غير مناسب مع الحضارة المعاصرة، فمن المحتم عنده أن تُغير هذه العناصر من الفقه الإسلامي حتى تلائم واقع الحضارة المعاصرة.

ولكن يبدو أن الدعوة إلى إعادة الصياغة للفقه الإسلامي لا يُعمل بها بصراحة بل تحت ستار فكرة الإمام الشاطبي في مقاصد الشريعة. ففكرة مقاصد الشريعة في المحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال هو بمثابة القيم العالمية الثابتة التي لا تقبل التغيير ولا التبديل، مثل العدالة والمساواة والرفاهية. وأما تعاليم الشريعة أي الأحكام الشرعية في نظره ما هي إلا  تفعيل لتلك القيم العالمية الثابتة، وهذا التفعيل للأحكام الشرعية قابل للتغيير أو التبديل حسب موافقتها أو عدم موافقتها للقيم العالمية الثابتة، فإذا كان موافقًا للقيم العالمية الثابتة فلا حاجة لتغيير الأحكام الشرعية؛ ولكن إذا كان معارضًا، فحينئذ يجب تغيير الأحكام الشرعية حتى توافق القيم العالمية الثابتة. هذه هي خلاصة ما يبينه الوزير ياقوت خليل قوماس في كلمة افتتاحية له في المؤتر المذكور. [2]

وعليه، فلا غرابة أن يرفض الوزير وجوب الخلافة؛ لأن الخلافة في نظره إن هي إلا مجرد تفعيل الحكم الشرعي الذي يقبل التغيير إذا أصبحت الخلافة غير مناسبة لواقع الحضارة المعاصرة. ويترتب على هذه النتيجة أن الخلافة ليست شكل الحكم الوحيد الملزم للأمة الإسلامية، بل من الممكن الجائز أن يكون هناك شكل أو أشكال الحكم آخر غير الخلافة للمسلمين كالجمهورية أو الملك مثلًا ما دام هذا الشكل من الحكم يناسب واقع الحضارة المعاصرة التي تعتبر مظهرًا واقعيًا من القيم العالمية الثابتة التي لا يصح أن تتغير أبدًا بزعمه. ثم تأكيدًا لهذ الرفض يضيف الوزير حجة أخرى، وهي إمكانية حصول ضرر كبير وفساد عريض في الأرض إذا حاول المسلمون إقامة الخلافة من جديد في هذا العصر.

وللرد على ما يسمى بإعادة الصياغة للفقه الإسلامي (recontextualization of Islamic fiqh) هذا، نقول ما يلي :

الأوّل، يظهر بوضوح أن ما قاله الوزير ياقوت من رفضه الخلافة لا ينبثق إلا عن فكرة فصل الدين عن الحياة (العلمانية)، ولا صلة له بالإسلام مطلقًا، إلا من حيث طرح فكرة الإمام الشاطبي في مقاصد الشريعة كمبرر وهمي لرفضه الخلافة. ورفضه للخلافة يعني أنه يعتنق فكرة فصل الدين عن الحياة لا محالة؛ ذلك أن المسلم إذا درس دينه وتاريخ المسلمين بشكل صحيح وبدون تأثر من الأفكار الغربية السامَّة فلا شك أنه سيجد أن في الإسلام شكلًا خاصًا لنظام الحكم متميزًا عن غيره من أشكال نظام الحكم، ألا وهو نظام الخلافة. وهو النظام الذي كان قد بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة حين تسلَّم السلطان من الأوس والخزرج سنة 622م، ثم تبعه الخلفاء الكثر من بعده جيلًا بعد جيل حتى هدم الخلافة في إسطنبول سنة 1924م.  فالإسلام دين يستحيل عليه أن يفصل عن شؤون حياة الإنسان بما فيه شأن الدولة أو نظام الحكم. وإلى جانب ذلك، فوجوب الخلافة أيضًا أمر سيجده بسهولة من يدرس كتب الفقه الإسلامي، فهذا الشيخ عبد الرحمن الجزيري يقول في كتابه (الفقه على المذاهب الأربعة): «اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أن الإمامة فرض، وأنه لا بد للمسلمين من إمام يقيم شعائر الدين وينصف المظلومين من الظالمين، وعلى أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان لا متفقان ولا مفترقان.» (الشيخ عبد الرحمن الجزيري ،الفقه على المذاهب الأربعة، ج5 ص 366، ط. دار الكتب العلمية).

وفضلًا عن ذلك، فهناك اتفاق على وجوب الإمامة (الخلافة) عند فرق أخرى خارج أهل السنة كما قاله الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) يقول الإمام ابن حزم : «اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة…» (الإمام ابن حزم،  الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 3 ص 3، ط. دار الكتب العلمية).

وعلى ذلك، فوجوب الخلافة واضح لكل مسلم واعٍ لثقافته وليس الأمر غامضًا. وأينما وجد مسلم يرفض هذا الوجوب العظيم فهو إما أن يرفض عن جهل، وإما عن معرفة لكن أفسدته ثقافته الغربية الكافرة القائمة على فكرة فصل الدين عن الحياة. فلا يرفض مسلمٌ وجوب الخلافة إلا بتأثير من فكرة فصل الدين عن الحياة. هذه الفكرة التي تتناقض مع المفهوم الصحيح للإسلام الذي لا يعرف فصل الدين عن شؤون الحياة والدولة والمجتمع. (د. سفر عبد الرحمن الحوالي، العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، ص 11).

الثاني،  ويظهر أيضًا من قول الوزير ياقوت أنه قد جعل ما يسمى بـ(واقع الحضارة المعاصرة) مقياسًا أساسيًا يقيس عليها حضارات أخرى. فالحضارات الأخرى يجب أن تكون خاضعة تحت الحضارة المعاصرة. فكل حضارة لا توافق الحضارة المعاصرة يجب أن ترمى وتطرح عن ميادين الحياة بلا رحمة ولا هوادة في شأنها. ومن المعلوم المكشوف جليًّا أن ما يسمى بـ(واقع الحضارة المعاصرة) في حقيقتها إنما هي الحضارة الغربية التي أساسها فصل الدين عن الحياة، ثم على أساس هذه الفكرة انبثفت أفكار أخرى في الحضارة الغربية كفكرة الدولة القومية، وفكرة الديمقراطية، وفكرة الرأسمالية، وكذلك فكرة النظام الدولي الجديد تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الحضارة الآن تسيطر على العالم برمته بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينات في القرن الماضي.

إن جعل الحضارة الغربية مقياسًا لغيرها من الحضارات باطل لعدة أمور:

 1 – من حيث الفكرة، إنه إذا جُعلت الحضارة الغربية مقياسًا، فهذا يعني أن الإسلام بما فيه العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية لا يقبل ولا يصح أن يعتنق، ولا أن يعمل به إذا كان يتناقض مع الحضارة الغربية. وإذا كان الإسلام يوافق الحضارة الغربية فحينئذ يجوز أن يعتنق أو يعمل به، حسب ما يقتضيه ما يسمى بإعادة الصياغة للفقه الإسلامي. كلا. إن هذا الأمر لا ولن يكون أبدًا حتى يوم القيامة، لأن الحق هو العكس، وهو جعل الإسلام مقياسًا أساسيًا تقاس عليه الحضارات الأخرى. ففكرة إعادة الصياغة للفقه الإسلامي تتناقض مع العقيدة الإسلامية تناقضًا كليًّا؛ حيث جعل الله سبحانه وتعالى القرآن فرقانًا للمسلمين، أي مقياسًا لهم يفرق ويميز به بين الحق والباطل. قال الله تعالى: ]شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ[. يقول الإمام ابن كثير (رحمه الله) في تفسيره لقول الله تعالى

]وَٱلۡفُرۡقَانِۚ[: «والمراد أنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين النافع والضار، وبين حزب الله وحرب الله، فرقانًا في كل شيء…» (تفسير ابن كثير،ج1ص400، ط. الدار العالمية).

وعلى ذلك، فالذي يجب أن يكون هو جعل العقيدة الإسلامية مقياسًا لكل فكر من أفكار الإنسان، وجعل الأحكام الشرعية مقياسًا لكل شيء من أفعال الإنسان، ولكل ما يتصرف به من أجل إشباع حاجاته كالأطعمة والأشربة والألبسة. فإذا انتشر الخمر في مجتمع ما مثلًا، والمعلوم أن الخمر قد حرمه الإسلام، فالذي يجب أن نقوم به هو تغيير واقع المجتمع الذي ظهر فيه عادة شرب الخمر، وليس تغيير حكم الشرع في شرب الخمر بتغيير حكمه من حرام إلى حلال، كما تقتضيه فكرة إعادة الصياغة للفقه الإسلامي. سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

2 – من حيث الاتباع، إن جعل الحضارة الغربية مقياسًا لغيرها من الحضارات ستؤدي إلى اتباع المسلمين للحضارة الغربية، مع أن الحضارة الغربية هي حضارة خبيثة وفاشلة لا يليق بالناس فضلًا عن أن يكون يليق بالمسلمين. (محمد شاكر الشريف، العلمانية وثمارها الخبيثة، ص 21-28).

 فكم من أزمة إنسانية وفساد عريض في الأرض نتجت من هذه الحضارة الجهنمية، ليس فقط تصيب الناس في جميع أنحاء العالم خارج بلاد الغرب، بل أيضًا تصيب الناس في بلاد الغرب نفسه. من الذي كان مسؤولًا عن استعمار شعوب آسيا وأفريقيا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين إلا أولئك الغربيون بدافع من حضارتهم الشريرة؟ من الذي كان مسؤولًا عن الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين أسفرتا عن مقتل عشرات الملايين من البشر إلا أولئك الغربيون بدافع حضارتهم الوحشية؟ وأيضًا من كان مسؤولًا عن قنبلتين نوويتين في هيروشيما وناجازاكي اللتين قتلتا عشرات الملايين من الأبرياء إلا أولئك الغربيون بدافع حضارتهم القاسية؟… هذا غيض من فيض من حصاد الحضارة الغربية اللاإنسانية، فكيف إذًا نجعل هذه الحضارة السيئة مقياسًا وقبلة وقدوة لنا وللناس؟ والرسول صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من أن نتبع حضارتهم الضارَّة النتنة التي لا تليق بالإنسان، حيث يقول صلى الله عليه وسلم : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟» رواه البخاري.

3 – من حيث السياسة، إن جعل الحضارة الغربية مقياسًا لغيرها من الحضارات سيقوّي الاستعمار الغربي الكافر على المسلمين، وخاصة الاستعمار الفكري من مثل فكرة إعادة الصياغة للفقه الإسلامي. وقد نهى الله تعالى عن وجود السبيل للكافرين الذي يمكّنهم من التسلط على المسلمين، سواء أكان هذا السبيل عسكريًّا أم اقتصاديًّا أم سياسيًّا أم فكريًّا… قال الله تعالى: ]وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا[ ولفظ ]سَبِيلًا[ في هذه الآية جاء نكرة في سياق النفي وهو يفيد العموم. (الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، القواعد الحسان لتفسير القرآن، ص6 ، تيسير الكريم الرحمن، ص 210-211). ولذلك يشمل النهي في هذه الآية أي نوع من أنواع السبيل على الوجه العموم، بما في ذلك السبيل الفكري. فكانت الآية تدل على تحريم المسلمين أن يجعلوا أي سبيل للكافرين عليهم، في أي شأن من شؤون حياتهم. ولفظ ]لَنْ[ قرينة جازمة  لتحريم ذلك. فخلاصة الكلام أنه إذا جعلت الحضارة الغربية مقياسًا لغيرها من الحضارات فمصيره الاستعمار الغربي لا محالة. وهو أمر لا يحوز شرعًا.

الثالث، وأما جعل فكرة مقاصد الشريعة أساسًا أو مبررًا لما يسمى بإعادة الصياغة للفقه الإسلامي فليس ذلك بصحيح ولا يوافق الواقع. وهو مجرد دعوى ليس لها واقع إلا زورًا وبهتانًا. فمن استخدم فكرة مقاصد الشريعة مثَله كمثل البائع الذي يغش المشتري بأن يقول له هذا لبن خالص صافٍ، مع أن واقعه أنه لبن مختلط بالماء مغشوش، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رواه مسلم.

 وذلك أن مقاصد الشريعة عند الإمام الشاطبي إنما هي غايات لا يجوز أن تدرك إلا بطريقة مشروعة، ولا يجوز أن يوصل إلى الحلال بطريق الحرام. يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: «إن تحقيق الغاية الشرعية لا يصح إلا بالطريقة الشرعية التي وضعها الشارع طريقةً لها. وكذلك إذا جاء الشرع بطريقة معينةٍ لتحقيق غاية معينةٍ فلا يصح السعي لتحقيق تلك الغاية إلا بهذه الطريقة.»[3]

هذا هو الصحيح، يعني أن الغاية في الإسلام لا تبرر أي واسطة للوصول إليها، وهذا يخالف ما يسمَّى بفكرة إعادة الصياغة للفقه؛ لأن المهم فيها حصول الغاية بغض النظر عن الطريق التي سُلكت للوصول إلى الغاية، فقد يكون بطريق مشروعة وقد يكون بطريق غير مشروعة، بدليل أنهم قد رفضوا وجوب الخلافة لأن الهم الأكبر في نظرهم هو الغاية وليس الطريق. فأي شكل الحكم من أشكال الحكم يستطيع أن يحصل الغايات من وجود نظام الحكم، كالعدالة والمساواة والرفاهية، فلا مانع عندهم من أخذه.

وبذلك يتبين أن الذي يستخدم فكرة إعادة الصياغة للفقه إنما هو يستغل فكرة مقاصد الشريعة أسوأ استغلال. فهو في الحقيقة لا يعمل بمقاصد الشريعة على الوجه الصحيح كما يريده الإمام الشاطبي، بل الأنكى من ذلك هو يغش ويخدع المسلمين فيتظاهر كأنه يطبِّق الفكرالإسلامي؛ ولكن الحقيقة هو يطبق الفكر الغربي، ولا يطبق الإسلام بشيء.

الرابع، إن الحكم الشرعي، إذا ثبت بالأدلة الشرعية الصحيحة  فهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل بحسب الزمان والمكان إلى يوم القيامة. فالربا مثلًا هو حرام منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك حرام هو في زماننا اليوم، وسيبقى حرامًا حتى قيام الساعة. هذا هو الصحيح، وليس كما يقول من يستغل فكرة مقاصد الشريعة لإعادة الصياغة للفقه الإسلامي. فالحكم الشرعي عنده يتغير ويتبدل إذا كان غير مناسب للواقع المعاصر. فالربا مثلًا وإن كان قد حرمه الله بنص قطعي؛ ولكنه يمكن أن يتغير حكمه فيصبح حلالًا بزعمه، سواء أكان جزئيًّا أم كليًّا في النظام الاقتصادي الرأسمالي المطبق حاليًّا.

ففكرة تغيير الحكم الشرعي بتغير الزمان والمكان باطلة؛ لأنها تتناقض مع صفة الثبات في الحكم الشرعي. والمراد بالثبات هنا بقاء الحكم الشرعي على ما هو عليه ودوامه وعدم تغيُّره لا بزمان ولا بمكان ولا بغير ذلك. والأدلة الشرعية على ذلك كثيرة، منها:

1 – قوله تعالى: ]ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ[.  فالدين قد كمل، والنعمة كذلك قد تمت. ولذلك فالقول بجواز تغيير الحكم الشرعي يلزم عنه عدم التصديق بأن الله قد أكمل الدين، وهو في الوقت نفسه رفض لنعمة الله التي قد أتمها علينا.

2 – قوله تعالى: ]وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ[ قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): «أي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي» .(تفسير ابن كثير،ج2ص19) والحكم الشرعي هو في باب الأمر والنهي، وحيث تغير العدل كان الظلم. (محمد شاكر الشريف، ثبات الأحكام الشرعية ، وضوابط تغيُّر الفتوى) [4]

وعلى ذلك، فإن فكرة إعادة الصياغة للفقه الإسلامي مردودة لأنها تغيير الحكم الشرعي من غير دليل من الكتاب والسنة، والذي يحصل هو تغيير الحكم الشرعي بدليل تغير الزمان والمكان، مع أن الزمان والمكان ليسا من الأدلة الشرعية المسوِّغة للتغيير.

قال الإمام ابن حزم : «إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما… فصحَّ أنه لا معنى لتبدل الزمان، ولا لتبدل المكان، ولا لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدًا في كل زمان وفي كل مكان، وعلى كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر، أو مكان آخر، أو حال أخرى» (الإمام ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج 5 ص 2و 3).

فتغيير الحكم الشرعي الثابتة أدلته الشرعية لا قيمة له ولا أساس له على الإطلاق. وأكّد الإمام ابن حزم في نفس المصدر أن تغيير الحكم الشرعي إنما يكون بالدليل الشرعي فقط لا غير. فلا قيمة للزمان والمكان لتغيير الحكم الشرعي ما دام أنه لا يوجد دليل من الكتاب والسنة يدل على جواز التغيير. فالمغيِّر هو الدليل (النص) وليس الزمان ولا المكان ولا غير ذلك. قال الإمام ابن حزم : «وأما نحن فلا ننتقل عن حكم إلى حكم آخر إلا ببرهان.» (نفس المصدر).

وبهذا يظهر بطلان القول في رفض وجوب الخلافة بحجة أنه قد تغير الزمان والمكان تأثرًا بالحضارة الغربية وبطلان طلب ترك المحاولة لإقامة الخلافة من جديد. فهذا القول باطل لأن وجوب الخلافة من الأحكام الشرعية الثابة بالأدلة الشرعية المعتبرة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، والقواعد الشرعية المستنبطة باجتهاد صحيح. فوجوب الخلافة ماضٍ إلى يوم القيامة لا يبطله أي فكر من الأفكار، مثل الفكرة الباطلة التي تسمى بـ (إعادة صياغة الفقه الإسلامي).

الخامس، إن الضرر الناتج عن إقامة الفرض الشرعي الثابت لا يبطل هذا الفرض بحال من الأحوال. فالقول بأن أي محاولة لإقامة الخلافة لن تؤدي إلا إلى كارثة للمسلمين باطل لعدة وجوه، منها:

1- يفهم من هذا القول بأن الضرر الناتج من محاولة إقامة الخلافة يكون مانعًا من العمل لإقامة الخلافة، ويفهم منه كذلك أن الضرر الحاصل من تلك المحاولة قد أبطل وجوب الخلافة شرعًا. هذا أمر لا يكون مطلقًا؛ وذلك لأن الحكم الشرعي الثابت لا يبطله حصول الضرر بأي شكل من الأشكال، مثل ضياع الأموال، أواحتراق المنازل، أوقتل الأنفس أو غير ذلك، في سبيل إقامتها. والدليل على ذلك ما بيَّنَّاه سابقًا من أن الحكم الشرعي إذا ثبت بالأدلة الشرعية الصحيحة فهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل بحسب الزمان والمكان؛ ولذلك حصول الضرر من القيام بالفرض لا يغير الحكم على هذا الفرض على الإطلاق، فضلًا عن أن يبطله. وهذا الفرض باقٍ لا يتغير، والذي يمكن أن يقام به هو إزالة الضرر الناتج ما أمكن إلى ذلك سبيلًا وليس إزالة هذا الفرض نفسه. ألا ترى أنه قد تحصل مصيبة الموت بسبب الازدحام الشديد عندما يقوم الناس بفريضة الحج، كما حصل أكثر من مرة، فهو قد حصل ولكن لم يقل أحد أن هذه الحادثة قد أبطلت فريضة الحج؛ وذلك لأن فريضة الحج حكم شرعي ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان. وكذلك فريضة الخلافة سواء بسواء، فإنه قد وقع الضرر بسبب العمل لإقامتها من جديد، مثل تضييق الرزق أو التعذيب النفسي والجسدي أو الملاحقات أو القتل ظلمًا… وغير ذلك من الضرر من الحكام الخونة العملاء للغرب؛ ولكن كل ذلك لا يغير هذا الفرض العظيم على الإطلاق فضلًا عن أن يبطله. وهذا الفرض باق لا يتغير حتى قيام الساعة لأن فريضة الخلافة حكم شرعي ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان. فوجوب الخلافة ماضٍ إلى يوم القيامة لا يبطله أي ضرر يتسببه لحامليها.

2- قد يكون القائل بهذا قد فهم خطأً أن إقامة الخلافة طريقها القتال، فيتخيل أن محاولة إقامة الخلافة سيكون نشاطًا دمويًّا مخيفًا بكثرة الضحايا من الأبرياء. والجواب على ذلك هو أن الطريق الصحيحة لإقامة الخلافة إنما هي نفس الطريق التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم عليها. والطريق إلى الخلافة، باختصار شديد، ليست بطريق القتال بل بطريق حمل الدعوة الإسلامية تثقيفًا لشباب الكتلة ابتداءً، ثم تفاعلًا مع الأمة ثانيًا، وطلبًا للنصرة من أهل القوة، ثم ثالثًا استلامًا للحكم منهم لتطبيق الأحكام الشرعية في جميع نواحي الحياة في الداخل وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم بالدعوة والجهاد في سبيل الله في الخارج.

وبناء على كل ما تقدم، فإن ما يسمى بإعادة الصياغة للفقه الإسلامي (recontextualization of Islamic fiqh) إنما هو هجوم فكري من عملاء الغرب للقضاء على الإسلام بشكل عام، وللقضاء على وجوب الخلافة بشكل خاص. والغاية من ذلك هو لإطالة وتثبيت الاستعمار الغربي خاصة الاستعمارالأمريكي في إندونيسيا، وفي الوقت نفسه للحيلولة دون إقامة الخلافة من جديد.

]يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢[.

(1)         https://www.kemenag.go.id/read/14-kondisi-pendorong-pentingnya-rekontekstualisasi-fikih-di-era-global

(2)         https://kemenag.go.id/read/aicis-2021-menag-sebut-empat-alasan-pentingnya-rekontekstualisasi-fikih-xknwx

(3)         https://hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/sporadic-sections/articles/political/59445.html

(4)http://www.saaid.net/Doat/alsharef/3.htm

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *