العدد 413 - السنة الخامسة والثلاثون – جمادى الثانية 1442هـ – كانون الثاني 2021م

بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أشدِّ حالِ بُعِثَ عليه نبيٌّ من الأنبياءِ (2)

للطبراني عن مَنبِت الأزدي قالَ: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وهو يقول: «يا أيها النّاس! قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا». فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبَّه حتى انتصف النهار. فأقبلت جارية بِعُس [أي قدح كبير] من ماء، فغسل وجهه ويديه وقالَ: يا بُنيَّة! لا تخشَي على أبيك غيِلة ولا ذلة. فقلتُ: من هذه؟ قالوا: زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن عروة رضي الله عنه قالَ: سألت ابن العاص رضي الله عنه فقلت: أخبرْني بأشدِّ شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم. قالَ: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حِجْر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي مُعَيط، فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقالَ: ( أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ) [سورة المؤمن: 28] والحديث رواه البخاري]

وأخرج أبو يعلى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قالَ: لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة حتى غشي عليه، فقام أبو بكر رضي الله عنه فجعل ينادي: ويلَكم! أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، فقالوا: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر المجنون، فتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر. [أخرجه الحاكم أيضًا وقالَ: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه]

– وعن موقف أبي بكر هذا يحدثنا الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فيما رواه محمّد بن عقيل عن علي رضي الله عنه أنه خطبهم فقالَ: يا أيها النّاس: من أشجع النّاس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين! فقالَ أما إني ما بارزني أحد إلاَّ انتصفتُ منه، ولكن هو أبو بكر رضي الله عنه؛ إنا جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشًا – يعني في غزوة بدر الكبرى – فقلنا: من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله! ما دنا منا أحد إلاَّ أبو بكر رضي الله عنه شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد إلاَّ أهوى إليه؛ فهذا أشجع النّاس. قالَ: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش، فهذا يحادُّه، وهذا يتلتله، ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله! ما دنا منا أحد إلاّ أبو بكر يضرب هذا ويجاهد هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم! أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثمّ رفع عليّ رضي الله عنه بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلَّت لِحيته ثمّ قالَ: أنشدكم الله! أمؤمن آل فرعون خيرٌ أم هو؟ فسكت القوم. فقالَ علي رضي الله عنه: فوالله! لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه. [أخرجه البزار وقالَ: لا نعرفه يروى إلاّ من هذا الوجه]

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قالَ: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وأبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وعُقبة بن أبي مُعَيط وأُمية بن خلف ورجلان آخران كانوا سبعة وهم في الحِجر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فلما سجد أطال السجود. فقالَ أبو جهل: أيُّكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفَرْثِها فنكفؤه على محمَّد، فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي مُعَيط فأتى به فألقاه على كتفيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم، ليس عندي منعة تمنعني فأنا أذهب، إذ سمِعتْ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلت حتى ألقت ذلك عن عاتقه، ثمّ استقبلت قريشًا تسبُّهم فلم يرجعوا إليها شيئًا. [أخرجه البزار والطبراني وأخرجه أيضًا أبو نعيم في دلائل النبوة، وأخرجه أيضًا الشيخان والترمذي وغيرهم باختصار قصةِ أبي البختري] وفي ألفاظ الصحيح: أنهم لما فعلوا ذلك ضحكوا حتى جعل يميل بعضهم إلى بعض، أي من شدة الضحك.

عن ربيعة بن عُبيد الدِيلي قالَ: ما أسمعكم تقولون إن قريشًا كانت تنال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أكثر ما رأيت أن منزله كان بين منزل أبي لهب وعُقبة بن أبي مُعَيط ؛ وكان يتقلب إلى بيته فيجد الأرحام والدماء والأنحات [الرديء من كل شيء] قد نصبت على بابه فيُنحِّي ذلك بسِيَة قوسه ويقول: «بئس الجوار هذا يا معشر قريش» [أخرجه الطبراني في الأوسط]

– عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: ومات أبو طالب وازداد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة، فعمد إلى ثقيف يرجو أن يؤووه وينصروه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف وهم إخوة: عبد يا ليل بن عمرو، وخُبيب ابن عمرو، ومسعود بن عمرو؛ فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومه منه. فقالَ أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط. وقالَ الآخر: والله! لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبدًا، لئن كنتَ رسولًا لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك. وقالَ الآخر: أعَجَزَ الله أن يرسل غيرك؟… وأفشَوا ذلك في ثقيف الذي قالَ لهم، واجتمعوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدوا له صفين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلاَّ رضخوها بالحجارة وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون. فلمَّا خلص من صفَّيْهم وقدماه تسيلان الدماء عمد إلى حائط من كرومهم، فأتى ظل حُبْلة من الكرم فجلس في أصلها مكروبًا موجعًا تسيل قدماه الدماء، فإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلمَّا أبصرهما كره أن يأتيهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله وبه الذي به، فأرسلا إليه غلامًا عدَّاسًا بعنب وهو نصراني من أهل نِينوى. فلما أتاه وضع العنب بين يديه، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بسم الله»، فعجب عداس؛ فقالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أي أرض أنت يا عدّاس؟» قالَ أنا من أهل نينوى. فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متَّى؟» فقالَ له عداس: وما يدريك مَنْ يونس بن متَّى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن يونس ما عرف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحدًا يبلِّغه رسالات الله تعالى، فقالَ عداس: يا رسول الله! أخبرني خبر يونس بن متَّى. فلما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن يونس بن متَّى ما أُوحي إليه من شأنه خرّ ساجدًا للرسول صلى الله عليه وسلم، ثمّ جعل يقبِّل قدميه وهما تسيلان الدماء. فلما أبصر عتبة وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا. فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمّد وقبلت قدميه ولم نرك فعلت هذا بأحد منا؟. قالَ: هذا رجل صالح حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا يُدعى يونس بن متَّى، فأخبرني أنه رسول الله؛ فضحكا وقالا: لا يفتنْك عن نصرانيتك، إنه رجل يَخدع؛ ثمّ رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة) [أخرجه أبو نعيم في الدلائل] وعن موسى بن عقبة قالَ: وفيما ذكر ابن إسحاق: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قالَ لهم، فيما ذُكر لي: إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليَّ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيُذْئِرهم [يجرؤهم ويغريهم] ذلك عليه. فلم يفعلوا.

وعن عروة أن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليكَ يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلاّ وأنا بقَرْن الثعالب [موضع قريب من مكة] فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبرائيل عليه السلام فناداني فقالَ: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يُخرج الله عزّ وجلّ من أصلابهم من يعبد الله عزّ وجلّ وحده لا يشرك به شيئًا» [متفق عليه].   فلما اطمأن صلى الله عليه وسلم قالَ دعاءه المشهور: «اللهم! إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على النّاس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملَّكتَه أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك هيِ أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يَحِلَّ عليَّ سَخطُك، لك العُتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلاّ بك».

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالَ أبو بكر: لو رأيتِني ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صعدنا الغار، فأما قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقطّرتا دمًا، وأما قدماي فعادت كأنها صَفْوان [الحجر الصلد الذي لا ينبت] قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعود الحِفية. [أخرجه ابن مردويه، كذا في كنز العمال] .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *