العدد 409 - السنة الخامسة والثلاثون، صفر الخير 1442هـ الموافق تشرين الأول 2020م

الديمقراطية التوافقية: مزيد من الأزمات والمشاكل (1)

المهندس ناصر وحان اللهبي- اليمن

ليس غريبًا أن تستحوذ فكرة الديمقراطية على كثير من أذهان المسلمين لأن عوامل الوقت والظروف والحال التي نعيشها اليوم مؤثرة إلى حد ما، ولغياب الإسلام عن الحكم في العالم، فلم تحكم به أي دولة في وقتنا الراهن، والرواج اليوم هي للبضاعة الفاسدة، وهي بضاعة الديمقراطية والعلمانية والرأسمالية، خاصة وأنه وجد لها أسواق ومروِّجون ودعاة وبعض الزبائن المغشوشين، وفي ظل الفراغ الفكري والسياسي الذي تعاني منه أمة الإسلام، وفي ظل غياب دولة الإسلام، وفي ظل إنشاء الصراعات والنزاعات بين المسلمين من قبل أعداء الأمة من صليبيين وصهاينة ويتبعهم حكام بلاد المسلمين العملاء الخونة. ونتيجة لكل ذلك انتعشت الدعوة إلى الديمقراطية، وما أسمَوه (الديمقراطية التوافقية)، وخاصة  في الدول والمجتمعات التي تخضع للاستعمار أو للاحتلال. إن فكرة (التوافق) لا توجد مثلًا في أمريكا وبريطانيا، ولا في الدول المتقدمة ماديًا عمومًا، ولا حتى في الدول المستقرَّة؛ لأن تلك الدول تلتزم بالدستور والقانون الذي تبنَّته، والناس يلتزمون بالنظام العام وفقًا للتشريعات التي يحكمون بها، ويحتكمون إليها، ويتحاكمون عليها، والتي تخالف عقيدتنا وقيمنا كمسلمين وبالتالي لا تصلح لنا. ففكرة (التوافق) توجد فقط في الدول التي لا تملك السيادة الكاملة على قراراتها، وفي الدول التي يوجد بداخلها تأثير استعماري واضح، أو دول محتلة بالفعل كالعراق وأفغانستان وما شاكلها، أو الدول التي تعاني من الصراعات والحروب بالوكالة عن الاستعمار وأذنابه كاليمن وليبيا وما شاكلها. وتوجد هذه الفكرة كذلك بشكل عام في الدول التي تسمَّى بدول العالم الثالث التي يلاحظ فيها تمدد النفوذ الاستعماري كما يلاحظ فيها المصالح الكبيرة للدول الكبرى.

لابد لنا لكي نناقش هذه الفكرة من جميع جوانبها، ولكي نوفيها حقَّها، من أن نقول إن الديمقراطية هي (توافقية) بحد ذاتها؛ لأن منشأها هو فكر الإنسان، ولأن أساسها هو (فصل الدين عن الحياة) نتيجة لصراع الكنيسة مع روَّاد الإصلاح الديني، وتعريفها هو (حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه) وهي عقد اجتماعي بين فئات المجتمع، والسيادة فيها للشعب وليست للشرع، وأن إصدار الأحكام والتشريعات يكون بالأغلبية وليس بالصواب، والديمقراطية تحترم الأغلبية ولو كانت على باطل، وتقرُّ بالحريات التي أفسدت الأرض، وبالتالي إضافة لفظة (توافقية) هي من باب ذر الرماد في العيون، ومن باب المغالطة اللفظية؛ لأن الديمقراطية في أصلها تقوم على (التوافق)، وهي كغيرها من الألفاظ التي يتم رميُها في البيئة الإسلامية لكي يتوهَ المسلمون في المسمَّيات، وتحصل الملهاة عن المفاهيم الصحيحة كالدولة المدنية الحديثة، فقد أضافوا لفظة (حديثة) كلفظة (توافقية) بالرغم من أننا نحكم بالدولة المدنية منذ دخول النظام الجمهوري إلى اليمن، وسوف نتناول في بحث (الديمقراطية التوافقية) خمسة عناصر توضحها توضيحًا تامًّا، وبالتالي يتأتَّى لنا أن نحكم عليها حكمًا صحيحًا يطابق واقعها.

وهذه العناصر الخمسة هي: مرجعية التوافق، وموضوعه، وأطرافه، وغايته، ونتائجه.

1- أما مرجعية فكرة التوافق، فإنها تستند إلى العديد من المرجعيات كالنظرة الوطنية أو القومية أو الطائفية أو السلالية أو العلمانية. وهذه الفئات والطوائف المختلفة المشارب، والمتباينة في الرؤى والأفكار والعمالة، والموجَّهة بتوجيه الاستعمار، لا بد من أن تقرَّ بإقصاء الشريعة الإسلامية كأساس للتوافق، وأن تكون الديمقراطية هي المرجعية، وبالتالي عدم الإقرار بمرجعية واحدة للتوافق أو الحوار؛ ومن هنا قالوا: (لا مرجعية للحوار، ولا سقف له) والنتيجة هو الاختلاف والتباين، وبعدها الاقتتال والاحتراب. وما مؤتمر الحوار في اليمن والعراق وليبيا ولبنان وأفغانستان وغيرها إلا دليل بيِّن وواضح على ذلك. فأي توافق وصل إليه هؤلاء الأعداء؟، وأي مرجعية اعتمدوا عليها؟، وأي ديمقراطية تبنَّوها؟. وإذا قالوا التوافق (الوطني) والوطن يتسع للجميع بوصفه الأساس أو المظلة الذي تستند إليه الفكرة وتستظل بظلها.  فـ(الوطن) في هذه الحالة يعني الكيان المصنوع من الاستعمار بعد تغيير التاريخ والجغرافيا، ويعنون به أيضًا جميع التيارات الفكرية والسياسية الفاعلة والمعترف بها من قبل النظام التي يضمها ما يسمى بـ (الوطن) على ترابه. فالمرجعية في الحوار الوطني – كما يزعمون – تعترف بشتى الأفكار والتيارات الموجودة التي تعترف بالنظام السياسي القائم داخل حدود (الوطن) سواء أكانت صحيحة أم باطلة، عادية أم شاذة، تخالف الإسلام أم توافقه. وعلى سبيل المثال يُعترف في العراق بالصابئة وعبدة الشياطين والآشوريين في الحوار (الوطني)، بينما لا يُعترف بتيارات المقاومة الإسلامية. ويُعترف كذلك في كثير من البلدان الإسلامية بتيارات فكرية واضحة العمالة لأمريكا كتيارات الليبرالية الجديدة، بينما لا يُعترف بحزب التحرير لأن فكره الداعي إلى إقامة الخلافة يتعارض مع النظام السياسي الموجود، ومع الأفكار العلمانية. إذًا، فالتوافق لم يكن للشعب فيه ناقة ولا جمل، بل كان لتيارات عمل الغرب على إنعاشها ودعمها ومساندتها حتى تصل إلى الحكم لتحقيق مصالحه، وخاصة عندما يرعى التوافق والحوار ممثلين عن منظمة الصليب العالمي (الأمم المتحدة) والمرجعية هي القوانين الدولية التي تخالف عقيدتنا وأحكام ديننا العظيم.

إن هذه المرجعية لفكرة الحوار (الوطني) أو (التوافق الديمقراطي) تخالف تمامًا مرجعية الحوار أو الجدال في الإسلام، بل إنها تخالف اعتبار الإسلام الأساس الوحيد في مرجعية أي شيء، وهذا يناقض قوله تعالى:(فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا٥٩)، والذي يجعل أساس التحاور والتحاكم الوحيد الكتاب والسنة، وبالتالي فلا يجوز في الإسلام أن يُعترف بأي تيار فكري لا يستند إلى الكتاب والسنة بوصفه أساسًا ومرجعية ومرتكزًا ومقياسًا؛ ومن هنا كانت مرجعية فكرة (التوافق الديمقراطي) مرجعية باطلة شرعًا بالنسبة لنا كمسلمين؛ لأنها تستند إلى تعددية فكرية وعقائدية مخالفة لعقيدتنا الإسلامية، ولا تستند إلى الكتاب والسنة فقط. وإذا ما أضيف إلى ذلك أن الديمقراطية كمرجعية للحوار تقوم على تنازع الحاكمية على الأرض مع الله، أي من الحاكم على الأفعال والأشياء بالحل والحرمة، وبالجواز وعدم الجواز، وبالفعل والترك، هل هو الله أم الإنسان؟ فالله هو الحاكم وليس الإنسان. والله هو المشرع وليس الإنسان، قال تعالى: (أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ )، وقال تعالى: (أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ٥٠) وقال جلَّ من قائل:(إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ٤٠). بينما الديمقراطية تقول إن الإنسان هو المشرِّعِ، وهو الحاكم، وهو الذي يصدر التشريعات والقوانين بفصل الدين عن الحياة والدولة؛ لهذا لن يصلح حال المسلمين إلا بتحكيم الإسلام، وجعل العقيدة الإسلامية هي المرجعية الوحيدة للحكم على الأفعال والأشياء، وعلى الالتزام التام والكامل بالتطبيق والتشريع.

2- وأما الموضوع الذي تقوم عليه فكرة (التوافق الديمقراطي) فإنه يتناقض مع العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية تناقضًا صريحًا؛ لأن الموضوع  هو التشريع، وهذا التشريع أساسه في الديمقراطية هو (فصل الدين عن الحياة) ومنه (فصل الدين عن الدولة)؛ لأن الفئات والشرائح والطوائف الوطنية والقومية والعلمانية لا ترضى بالإسلام أساسًا للحكم، وما على التيارات الإسلامية إلا التنازل عن الإسلام  وأحكامه، كما فعلت جماعات الإسلام المعتدل، أو الخروج عن الديمقراطية والتمسك بالإسلام؛ لهذا رأينا جماعات إسلامية دخلت أو أدخلت إلى الحوار (الوطني) أو (التوافق) وسارت ضمن تيار العلمانية، وتخلَّت عن الإسلام كمرجعية وأساس للتوافق، وأصبحت جزءًا من الواقع الفاسد، بل أصبحت هي الواقع الفاسد. وأما التيارات الإسلامية النقية الصافية فرفضت الواقع الفاسد، ورفضت حاكمية الشعب، وتبنَّت منهاجًا واضحًا وبيِّنًا من الإسلام، ودعت الأمة إليه. فموضوع التوافق الأساسي هو ما يهم الجماعات المتحاورة وهو (السلطة والثروة) وبالأخص نظام الحكم، ومن الحاكم؟ وما هي شروطه؟ وكيف يعيَّن حاكمًا؟ وفترة الحكم؟ وصلاحيات ومهام الحاكم؟ وهذا النزاع على منصب الحكم هو ما يهم المتحاورين؛ لذلك فالصراع بينها هو صراع على السلطة وحسب، وليس على المنهاج الصحيح الذي يحكم!!.

إن الواقع الذي تعيشه الأمة  خير دليل على ذلك، فالتوافق أو الحوار الذي جرى في العراق أو اليمن أو لبنان – مثلًا- لم يستطع إخراج البلاد من مأزقها، فكم من حكومات ورؤساء حكومات لم يثبتوا إلا قليلًا ثم تغيَّروا، ودخلت البلدان تلك وغيرها في دوَّامة الصراعات والاقتتال والاحتراب، سواء طمعًا في جاه وسلطان ومال، أم حرب بالوكالة عن المستعمرين وأذنابهم!!.

إن موضوع الحوار أو التوافق الديمقراطي متشعِّب ومتعدِّد ومختلِف في ظل إعجاب كل ذي رأي برأيه؛ لهذا لن يُخرج الأمة مما تعانيه إلا تبني الإسلام عقيدة وشريعة، سياسة ودولة، حكمًا واقتصادًا، فمثلًا: مسألة تعيين حاكم، حدَّد الإسلام العلاقات بينه وبين الأمة في البيعة والطاعة والمحاسبة وحق طلب العزل والخروج بأحكام دقيقة، وعرَّف تلك المفاهيم تعريفًا دقيقًا مضبوطًا، وكذلك النظام الاقتصادي حدَّد الإسلام فيه التملك وأسبابه وأحكامه وأنواع الملكية (الخاصة والعامة وملكية الدولة) والتصرف في المال وكيفية توزيعه بنظم دقيق محكم، وكذلك النظام المالي ودواوين بيت المال، والنظام النقدي القائم على الذهب والفضة، وكل الأحكام والتشريعات في كل جوانب الحياة؛ وذلك مصداقًا لقوله تعالى: (ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ ).

إن التوافق الديمقراطي بلاء يضيِّع الإسلام وقضايا المسلمين، ولو أخذنا على سبيل المثال موضوع التوافق الديمقراطي في القضية الفلسطينية لوجدناه يؤكد حقيقة هذا التناقض مع الإسلام. فموضوع الحوار الرئيسي المطروح على جدول أعمال المتحاورين الفلسطينيين هو الاعتراف بالدولة اليهودية، والاعتراف بالاتفاقات الموقَّعة معها، والاعتراف بالمرجعية الدولية وبالمرجعية العربية لحل القضية الفلسطينية.

ومعلوم أن الاعتراف بالكيان اليهودي المغتصب في الوجود على معظم أرض فلسطين حرام شرعًا، وأن جميع تلك المرجعيات المطروحة لحل القضية الفلسطينية هي محرَّمة شرعًا؛ وذلك لأن تلك المرجعيات تقرُّ بالاحتكام إلى قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية، وكلها قرارات كفر وبطلان وتتصادم مع الأحكام الشرعية.

وإذا تتبعنا الشورى في الإسلام وأحكامها، وفيما تكون الشورى، وهل فيها معنى (التوافق)؛ لوجدناها تنطلق من أمرين أساسيين هما:

1- إنها حق لعامَّة المسلمين، وواجب على رئيس الدولة أن يستشيرهم اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.

2- إنها تقوم على أساس اكتشاف الرأي الأفضل والأصوب في غير الأحكام الشرعية، وهذا يستلزم استنهاض العقول، وحشد الإمكانيات والطاقات؛ فتنبثق الآراء، وتظهر نقاط الضعف والقوة في كل رأي، فيؤخذ الرأي الصواب. إن الشؤون العامة تمس حياة الناس ومصالحهم، فلا يصح تجاوز مشاورتهم، ولا تجاهل رأيهم.

والشورى أو أخذ الرأي يكون من قبل الخليفة أو أي أمير أو أي صاحب صلاحية رئيسًا كان أو قائدًا أو مسؤولًا… فإنه كله أمير، ويكون بين الزوجين، وفي الإصلاح بين الناس؛ ولقوله تعالى: (فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ ).

أما إبداء الرأي لمن له الصلاحية حاكمًا كان أو قائدًا أو غير ذلك فأمر لا خفاء فيه، فهو من قبيل النصيحة، وهو أمر مشروع ويُبدى لأَئمة المسلمين وعامتهم. وأما رجوع من له الصلاحية حاكمًا كان أو أميرًا أو رئيسًا لأَخذ الرأي من الناس فهو محل التباس، لا سيما بعد أن تفشَّت مفاهيم الديمقراطية وكادت تُحوِّل عقليات كثير من المسلمين.

وأخذ الرأي هو ما أُطلق عليه في الإسلام (الشورى) و(التشاور). وإذا كان إبداء الرأي جائزًا سماعه من المسلمين وغير المسلمين؛ فلأنَّ الرسول أقرَّ الرأي الذي تضمَّنه حلف الفضول، حيث قال: «… ولو دعيتُ به لأجبتُ، وما أحبُّ أن أخيس به وأنّ لي به حُمر النعم» سنن البيهقي. مع أنه كان رأي مشركين، فإن الرجوع لأخذ الرأي لا يكون إلا للمسلمين، أي أن الشورى ليست حقًا إلا للمسلمين، لأن الله تعالى يخاطب الرسول فيقول: (وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ) أي للمسـلمين. ويقـول عزَّ وجلَّ: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ٣٨) أي المسـلمين؛ لأن الآية الأولى تقول: (وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ) وهذا كله لا يكون من الرسول إلا للمسلمين. والآية الثانية تقول: (وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ) وهذه الأوصاف لا تكون إلا للمسلمين مع بعضهم؛ ولذلك كانت الشورى خاصة بالمسلمين مع بعضهم قطعًا. والشورى عند المسلمين أمر مشهور ومعروف، وقد وردت في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف وفي أقوال المسلمين. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة من رسول الله  لأصحابه» سنن البيهقي. وعن الحسن رضي الله عنه قال: «ما تشاور قوم قط إلاّ هدوا لأرشد أمرهم». فأخذ الرأي، وهو التشاور أو الشورى، ثابت بنص القرآن والحديث. إلاَّ أن الذي يخفى على الكثيرين هو: ما هو الرأي الذي تكون فيه الشورى أو التشاور. أي: ما هو الأمر الذي يؤخذ فيه الرأي، ثم ما هو حكم هذا الرأي: هل يجب أن يؤخذ فيه برأي الأكثرية بقطع النظر عن كونه صوابًا أو خطأ؟ أم يجب أن يؤخذ فيه بالرأي الصواب بقطع النظر عن كونه رأي الأكثرية أو الأقلية أو الواحد؟ وهل تعني ما يسمى بالتوافق؟.

ولمعرفة الجواب على ذلك يتحتم فهم واقع الرأي من حيث هو: ما هو. وفهم الأدلة الشرعية التفصيلية الواردة في أخذ الرأي، وتطبيق هذه الأدلة على واقع الرأي تطبيقًا تشريعيًا.

أما واقع الآراء الموجودة في العالم فإنها لا تخرج عن (فكر أو عمل)، فالآراء الفكرية هي ثلاثة، وواحد رأي عمل:

أولًا: أن يكون الرأي حكمًا شرعيًا أي رأيًا تشريعيًا. (وهذا لا تَوافق فيه، ويُلتزم حكم الله فيه كما في صلح الحديبية).

ثانيًا: أن يكون تعريفًا لأمر من الأمور. إما تعريفًا شرعيًا كتعريف الحكم الشرعي ما هو، أو تعريفًا لواقع، كتعريف العقل وتعريف المجتمع وما شاكل ذلك (وهذا لا تَوافق فيه، ويُلتزم رأي أهل العلم في تلك المجالات).

ثالثًا: أن يكون رأيًا يدل على فكر في موضوع، أو على فكر في أمر فني يدركه أهل الاختصاص. (وهذا لا تَوافق فيه ويُلتزم رأي أهل الخبرة والاختصاص كما في واقعة بدر).

رابعًا: أن يكون رأيًا يرشد إلى عمل من الأعمال للقيام به. (وهنا التوافق وهذا مجاله، كانتخاب رئيس أو الخروج لعمل، أو القيام بعمل يهم الجميع كما في غزوة أحد).

وهذا هو شرعنا الإسلامي الذي وضع الخط المستقيم أمام الخطوط العوجاء، فلا توافق في التشريع ولا في العلم والاختصاص والخبرة، إنما توافق في واقع عملي وليس فكريًّا؛ وعليه يكون موضوع (التوافق الديمقراطي) مخالفًا للفكر الإسلامي وللحكم الشرعي؛ لأنه فتح الباب على مصراعيه لكل فكر دخيل علينا، وبالتالي فلا شرعية لحوار موضوعه غير شرع الله، ومرجعيته باطلة، ولا تصلح لنا كأصحاب عقيدة وحضارة متميزة، نريد منها أن تُخرج العالم من شقاء الرأسمالية والديمقراطية إلى سعادة الإسلام. 

3- وأما أطراف (التوافق الديمقراطي) فإن طرفًا على الأقل أو أكثر من أطراف الحوار يتمثل دائمًا في السلطة الحاكمة، ونحن نعلم يقينًا أن السلطات الحاكمة في بلداننا ما هي في الواقع سوى وكيل سياسي يمثل مصالح الدول الكبرى المستعمرة في تلك البلدان. وهذا معناه أننا عندما نتحاور مع الحكومة أو السلطة في أقطارنا الإسلامية فإننا نتحاور في الواقع مع مبعوثين أو مندوبين للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وللدول العظمى بشكل عام. ولا شك أن هذا الحوار مع هؤلاء هو حرام شرعًا؛ لأنه يجعل للكفار أكبر سبيل على المسلمين، والله سبحانه يقول: ( وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١).

والأمر الآخر، فإن التيارات التي تدخل في الحوار هي متبنية مناهج علمانية، وتركن إلى الخارج لكي تصل إلى الحكم، وتستقوي بالسفارات والمخابرات الخارجية، وحين  تصل إلى الحكم تنفذ كل المؤامرات على الأمة ومبدئها ومصالحها وثرواتها ومقدراتها، وليس كما يقولون الشراكة والتعاون والعلاقات!! .

4- وأما الغاية من (التوافق الديمقراطي)

 فإنها تكون دائمًا للوصول إلى حل وسط بين المتحاورين، والحل الوسط لا ريب بأنه حل غير إسلامي؛ لأنه يجري فيه تنازل كل طرف من أطراف الحوار عن جزء من ثوابته لكي يتوافق المتحاورون على حل يرضي الجميع. ولو سلمنا جدلًا بوجود طرف إسلامي صادق في الحوار، فإن عليه لزامًا أن يتنازل عن جزء على الأقل من ثوابته حتى يلتقي مع التيارات العلمانية والحكومية في منتصف الطريق. وهذا من شأنه أن يجعل الغاية المراد الوصول إليها بين المتحاورين بعيدة كل البعد عن الغايات الشرعية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن الحل الوسط هذا يعني أننا قبلنا من حيث المبدأ الحكم بغير ما أنزل الله ورضينا بالتحاكم إلى الطاغوت، وبتحكيم قوانين الكفر في حياتنا، والله سبحانه وتعالى يحذِّرنا من ذلك فيقول: (وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩) ويقول سبحانه: (أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا٦٠).

(وأما نتائج (التوافق الديمقراطي) فسنتكلم عنها، إن شاء الله تعالى، في المقال التالي الذي يتبع) 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *