العدد 407 - السنة الخامسة والثلاثون، ذو الحجة 1441هـ الموافق آب 2020م

رياض الجنة: لولا المصائب لوردنا يوم القيامة مفاليس (1)

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث زهير قال: أُخبرت أن أبا بكر رضي الله عنه  قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: (لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣) فكل سُوءٍ عملنا جُزِيْنَا به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكرٍ، أَلَستَ تَمرَضُ؟ أَلَستَ تَنصَبُ؟ أَلَستَ تَحزَنُ؟ أَلَستَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَهُوَ مَا تُجزَونَ بِهِ».

روى أحمد والبيهقي وحسنه الترمذي عن آمنة بنت عبد الله قالت: سألت عائشة عن هذه الآية: ( مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ) فقالت: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عائشة، هذه مبايعة الله العبد بما يصيبه من الهم والحزن والنكبة، حتى البضاعة يضعها في كفه فيفقدها فيفزع لها فيجدها تحت ضبنه، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير”.

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».

روى الترمذي في سننه من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «إِنَّ الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ المـَنزِلَةُ عِندَ اللهِ فَمَا يَبلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَلَا يَزَالُ يَبتَلِيهِ بِمَا يَكرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ ذَلِك»… وروى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ السَّلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِه” قَالَ أَبُو دَاوُد: زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ: «ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ»، أي: فلَم يَكُنْ شاكِيًا مُتسخِّطًا،  ثُمَّ اتَّفَقَا: «حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى» فيَكونُ هذا مِن توفيقِ اللهِ للعَبدِ إلى الطَّاعاتِ، حتَّى يُبلِّغَه المنزِلةَ الكريمةَ الَّتي أعَدَّها له سبحانه. وفي الحديثِ: بَيانُ أثَرِ الصَّبرِ على المصائِبِ في رَفعِ الدَّرَجاتِ.

روى الترمذي في سننه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ».

عَنْ أَبي هُرَيْرةَرضي الله عنهقَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». رواه التِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ.

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «إنَّ نَاسًا مِنَ الأنْصَارِ سَأَلُوا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فأعْطَاهُمْ حتَّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ، فَقَالَ: ما يَكونُ عِندِي مِن خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».

ذكر الْقُرْطُبِيّ فقال: كما في فتح الباري «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ» أَيْ: يُعَالِج نَفْسه عَلَى تَرْك السُّؤَال، وَيَصْبِر إِلَى أَنْ يَحْصُل لَهُ الرِّزْق، «يُصَبِّرهُ اللَّه» أَيْ: فَإِنَّهُ يُقَوِّيه، وَيُمَكِّنُه مِنْ نَفْسه؛ حَتَّى تَنْقَادَ لَهُ، وَيُذْعِنُ لِتَحَمُّلِ الشِّدَّة؛ فَعِنْد ذَلِكَ يَكُون اللَّه مَعَهُ، فَيُظْفِرهُ بِمَطْلُوبِهِ. وذهب العيني -كما في عمدة القاري – إلى ما هو أشمل من ذلك وفيه: الحثُّ على الصبر على ضيق العيش، وغيره من مكاره الدنيا.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله عليه الصلاة والسلام  «ومن يتصبَّر يصبِّره الله»، عام يشمل جميع أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في (بهجة قلوب الأبرار): إن الصبر إذا أعطاه الله العبد، فهو أفضل العطاء، وأوسعه، وأعظمه إعانة على الأمور، قال تعالى:

(وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ ) أي: على أموركم كلها. والصبر كسائر الأخلاق، يحتاج إلى مجاهدة للنفس وتمرينها؛ فلهذا قال: «ومن يتصبَّر» أي: يجاهد نفسه على الصبر، «يصبِّرْه الله» ويعينه، وإنما كان الصبر أعظم العطايا؛ لأنه يتعلق بجميع أمور العبد وكمالاته، وكل حالة من أحواله التي تحتاج إلى صبر: فإنه يحتاج إلى الصبر على طاعة الله؛ حتى يقوم بها، ويؤديها، وإلى صبر عن معصية الله؛ حتى يتركها لله، وإلى صبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخَّطها، بل إلى صبر على نعم الله، ومحبوبات النفس، فلا يدَع النفسَ تمرح وتفرح الفرح المذموم، بل يشتغل بشكر الله، فهو في كل أحواله يحتاج إلى الصبر. وبالصبر ينال الفلاح؛ ولهذا ذكر الله أهل الجنة، فقال:

( وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤ ) وكذلك قوله تعالى:(أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ) فهم نالوا الجنة بنعيمها، وأدركوا المنازل العالية بالصبر، ولكن العبد يسأل الله عافية من الابتلاء الذي لا يدري ما عاقبته، ثم إذا ورد عليه، فوظيفته الصبر، فالعافية هي المطلوبة بالأصالة في أمور الابتلاء والامتحان، والصبر يؤمر به عند وجود أسبابه، ومتعلقاته، والله هو المعين.

والله سبحانه وعد الصابرين في كتابه، وعلى لسان رسوله أمورًا عالية جليلة: وعدهم بالإعانة في كل أمورهم، وأنه معهم بالعناية، والتوفيق، والتسديد، وأنه يحبهم، ويثبت قلوبهم، وأقدامهم، ويلقي عليهم السكينة، والطمأنينة، ويسهل لهم الطاعات، ويحفظهم من المخالفات، ويتفضَّل عليهم بالصلوات، والرحمة، والهداية عند المصيبات، والله يرفعهم إلى أعلى المقامات في الدنيا والآخرة… وعدهم النصر، وأن ييسِّرهم لليسرى، ويجنِّبهم العسرى، ووعدهم بالسعادة، والفلاح، والنجاح، وأن يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأن يخلف عليهم في الدنيا أكثر مما أخذ منهم من محبوباتهم وأحسن، يعوضهم عن وقوع المكروهات عوضًا عاجلًا يقابل أضعاف أضعاف ما وقع عليهم من كريهة ومصيبة… والصبر في ابتدائه صعب شديد، وفي انتهائه سهل حميد العواقب، كما قيل: والصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته… لكن عواقبه أحلى من العسل.

ونختم بذكر نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم  سيد الأوَّلين والآخِرين، والمغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد ابتلي بالمرض رِفعَةً لدرجاته، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَمَسَسْتُهُ بيَديِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلم : «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَجَلْ»… وذكر البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم  في مرضه الذي مات فيه أُغمي عليه ثلاث مرات، قالت عائشة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم».

قال بعض السلف: لولا المصائب لوردنا يوم القيامة مفاليس، وكان السلف يفرح أحدهم بالبلاء، كما يفرح أحدنا بالرخاء. وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: استوى الناس في العافية، فإذا نزل البلاء تباينوا».

قال شريح: ما أصابتني مصيبة إلا حمدت الله تعالى عليها لأربع: أن الله رزقني الصبر عليها، وأن الله رزقني الاسترجاع عندها، وأن الله لم يجعلها أكبر منها، وأن الله لم يجعلها في ديني.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *