العدد 394 - السنة الرابعة والثلاثون – ذو القعدة 1440 هـ – تموز 2019م

فصل الكلام في مشروعية الحكام (3)

فصل الكلام في مشروعية الحكام (3)

 

تنويه: شرنا في عدد الوعي (393) مقالًا للكاتب أبي نزار بعنوان «فصل الكلام في مشروعية الحكام (2)» وتطرق فيه صاحب المقال إلى حديث مسلم عن حذيفة بن اليمان، الذي ورد فيه «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع» وكأن كاتب المقال خشي أن يستعمل بعض المشايخ هذا الحديث لطاعة الحكام اليوم الذين لا يحكمون بما أنزل الله، فشق عليه ذلك، وبحث الموضوع بحثًا واسعًا، ووصل إلى أن هذا الجزء من الحديث (منكرٌ سندًا ومتنًا)، وهذه النتيجة ليست صوابًا. فالحديث في صحيح مسلم، وهو يتعلق بالحاكم الذي يحكم بالإسلام ببيعة صحيحة (الخليفة) فإذا ظلم شخصًا فيصبر ولا يخرج عن طاعته، بل يحاسبه بالكلمة القوية الصادقة، إلا إذا أعلن الكفر البواح، فعندها يُقاتل هذا الحاكم، وليس يُحاسب فقط بالكلمة… وهذا لا يتعارض مع «لا طاعة في معصية الخالق»؛ لأن الصبر على الحاكم المسلم الظالم مسألة غير طاعة الظالم في معصية، فإذا أمر الظالم بمعصية فلا يطاع… لهذا كان التنويه.

نأتي الآن إلى طائفة من النصوص المتعلقة بالمنازعة والمنابذة لولاة الأمر، فنجري عليها التحليل نفسه لنفهمها حق فهمها بحول الله، ومن أبرز هذه النصوص:

أحاديث الكفر البواح:

حديث عبادة بن الصامت: دعانا النبي صلى الله عليه وسلمفبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا: «على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن ترو كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» وهو في صحيح مسلم وغيره. ولو تتبعنا روايات الحديث الأخرى وألفاظه لوجدناها على الشكل التالي:

  • إلا أن ترو كفرًا بواحًا، أو صراحًا كما في روايات أخرى.

  • إلا أن تكون معصية الله بواحًا، كما في صحيح ابن حبان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبادة!»، قلت: (لبيك!)، قال: «اسمع وأطع في عسرك ويسرك، ومكرهك، وأثرة عليك، وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك، إلا أن تكون معصية لله بواحًا» وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده حسن).

  • ما لم يأمروك بإثم بواحًا ــ وهو في مسند الإمام أحمد بن حنبل:

يعمد أتباع السلاطين والمنافحون عنهم بعد الاستشهاد بهذه النصوص «إلا أن ترو كفرًا بواحًا» يعمدون فورًا إلى سؤالك (هل كفر حاكمنا؟، هل رأيته يكفر؟ كيف تكفره؟؟!!) ثم يشنون حربهم المبنية على حمل مدلول النص حصرًا على كفر الحاكم أو إسلامه، وإذا ذكرت آية (وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ) سارعوا إلى الاستفاضة بشرح عبارة (كفر دون كفر) كما ورد عند بعض الأئمة، حتى إذا تضعضع المسلم أمام أسئلتهم، حكموا عليه بالتجني على السلطان المسلم المسكين، وذكَّروا هذا المتسرع بالاستغفار، ولزوم طاعة ولاة أمره والصبر على ظلمهم وحكمهم بالكفر!!!

 نقول لهؤلاء، الحمد لله، تباركت أسماؤه، قد كفانا مؤنة ذلك عندما أنطق نبيه محمدًا، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بفصل الخطاب في هذه المسألة، حين وجه أصحابه إلى عدم منازعة أولي الأمر: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان»، أو«إلا أن تكون معصية لله بواحًا»، أو: «ما لم يأمروك بإثم بواحًا». هذا بلاغ من الله، بلسان أفصح خلق الله، المعصوم بعصمة الله، الذي أوتيَ جوامع الكلم. لم يقل، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: (إلا إذا كفر).(إلا أن تروا منه كفرًا) ولم يقل: (إلا إذا ارتد)، فكفانا مؤنة البحث في ذات الحاكم: هل كفر، أو ارتد، أم لا؟! هذا كله لا يعنينا، ولا يؤثر في الأحكام العملية المترتبة على الحديث، خصوصًا «سقوط الولاية»، وما يترتب عليها من «منازعة»، وهي التي يهتم لها عملاء السلاطين ويغتموا!.

فالحديث يتعلق بظهور الكفر البواح في الحياة العامة، بغض النظر عن كفر الحاكم وردته، وبغض النظر عن عذره بجهل أو تأويل أو إكراه، كل ذلك قد يؤثر على ذات الحاكم، وعلى مصيره الأخروي، إلا أنه لا يلغي حقيقة ظهور «الكفر البواح»، وما يترتب على ذلك من مشروعية العصيان والتمرد والثورة والخروج، والمنابذة والمقاتلة.

وإنما كلفنا، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، فقط بأن ننازع أولي الأمر أمرهم عند اللزوم، وبالشروط والضوابط الشرعية المعتبرة، إذا «رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان»، أو: «إلا أن تكون معصية لله بواحًا»، أو: «ما لم يأمرونا بإثم بواحًا».

ولو أخذنا ألفاظ الأحاديث الشريفة وسلطنا أنوار الفقه الكاشفة عليها لخرجنا بالمعنى الكامل في المسألة من دون وكس ولا شطط، يقول الحديث:

1- «أن تروا»، أي أن نعلم بوقوع ذلك علم يقين؛ لأن الكفر والفسوق والعصيان أمور معنوية مجردة لا ترى بالعين، فصار المعنى: أن نعلمه علم يقين كأنه رؤية عين ومشاهدة، كما هو في قوله، جلَّ وعزَّ: (أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ)، والنبي صلى الله عليه وسلملم يكن قد ولد عند الواقعة، وما رآها رأي عين. فلا بد من نقل تقوم به الحجة القاطعة، أو سماع أو رؤية مباشرة. ومن ذلك بدون شك، بل من أقواه: ما تنشره المجلات الرسمية من لوائح وقوانين وأوامر وأخبار سلطانية، واتفاقيات دولية، فهذه النصوص، المنشورة في المجلات الرسمية، ترى بالعين وتقرأ. وكذلك الترخيص، ولو مشافهة، بالمحرمات ينفذ تنفيذًا حسيًا، في مثل البنوك الربوية، أو دور البغاء، أو مراقص وشواطئ وملاهي العري والعار، وغيرها، فترى بالعين. والسمع كذلك بمرتبة العين في إنشائه اليقين بأول الحس، وبديهة العقل. إذًا: لا بد أن نعلم بوجود الكفر البواح علم يقين يصلح أن نقول عنه أننا رأيناه!

2- أن يكون ذلك «بواحًا»، والبواح هو الظاهر، البادي، الذي لا خفاء فيه، أي معلنًا به جهرة على رؤوس الأشهاد، أي في الحياة العامة، وفي أحوال وأعمال الحاكم المتعلقة بالحياة العامة، أي في أحواله وأفعاله وأوامره السلطانية. ومن أمثلة ذلك، الأنظمة المعلنة في المجلة الرسمية والمناقضة للإسلام، والتصريحات المنقولة من وسائل الإعلام المأذونة، غير متبوعة بتكذيب أو إنكار، والمصارف الربوية المشيَّدَة، المفَتَّحة الأبواب على أمهات الطرق، وملاهي العهر والدنس، وبيوت البغاء المرخَّصَة، وشواطئ العراة، وعضوية المنظمات والمؤسسات الدولية، والإقليمية، ذات المواثيق الكفرية، من مثل: الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وغيرها، والمشاركة في الأحلاف العسكرية مع الكفار لقتال المسلمين، وتأجير القواعد العسكرية للكفار والسكوت عن استخدامهم لها ضد المسلمين… ونحوه، فكل ذلك معلن على الملأ، مشهور، صراحًا، «بواحًا» وهو كذلك معلوم لنا علم «رؤية» لا شك فيها ولا ريب، ومعلوم للكافة بنقل تواتر الكافة، الذي يفيد العلم الضروري فور بلوغه لمتلقيه.

3- أن يكون الحكم على ذلك الفعل بأنه حرام، أي أنه كفر أو فسق مقطوع به ببرهان من الكتاب أو السنة القطعية، بحيث لا يقبل التأويل أو الاجتهاد. فـ«عندنا فيه من الله برهان» يعني قيام الدليل الشرعي من الكتاب والسنة (أي من الله) المفيد للقطع واليقين (أي أن يكون برهانًا) وهذا يقتضي وجود الدليل الشرعي، القطعي ثبوتًا، ودلالةً، الذي لا يحتمل التأويل. أي بلفظ آخر: أن يكون من المعلوم من الدين بالضرورة. هذا هو معنى قوله:  «عندكم من الله فيه برهان»، أو قوله في حديث الطبراني في «مسند الشاميين»: «عندك تأويله من الكتاب» وأن يكون (عندنا) أي عند المستدل مضبوطًا معلومًا محفوظًا في الصدور أو السطور، فلا يكفي في هذه القضية الخطيرة الإحالة على «المشايخ»، أو تقليد «فلان» من الناس.

4- كفرًا: هكذا نكرة، في سياق جملة شرطية، فتعم كل كفر، وهي ها هنا تأتي على ثلاث حالات:

1) الكفر البواح من الحاكم نفسه، كأن يرتد علنًا، ويتبنى عقيدة كفر بالقول أو بالفعل.

2) الكفر البواح من أفراد المسلمين بالارتداد عن الإسلام دونما نكير من الحاكم.

3) في الكفر البواح المتمثل في النظام الحاكم، أي: قيام نظام الحكم على عقيدة كفر ولو لم يكفر الحاكم نفسه.

_ أما كفر الحاكم نفسه فلا إشكال فيه؛ إذ أقوال الفقهاء قد تظاهرت على وجوب المنازعة في هذه الحالة.

_ وأما دلالة الحديث على المنازعة حالة وجود الكفر البواح من أفراد المسلمين بالارتداد عن الاسلام، أو إقامة تنظيمات وحركات، أو وكالات إعلامية تدعو للإلحاد والعلمانية دونما نكير من الحاكم؛ فلأن هذه الحالة يصدق عليها أننا نرى فيها الكفر البواح. ونص الحديث لم يقيِّد وجود هذا الكفر في الحاكم أو في غيره. والقيد الوحيد الذي قيد به هذا الكفر هو أن يكون «بواحًا» أي : ظاهرًا منتشرًا لا يقف دونه نكير، وطبعًا لا يرد هنا وجود الكفر في أهل الذمة والمستأمنين لخروج هذه الحالة بعقد الذمة والأمان.

على كل حال اذا رجَّح بعضهم أن تقدير الكلام في الحديث هو «إلا أن تروا _ من الحكام _ كفرًا بواحًا» فإن الخطب سهل إذ تعتبر حالة ظهور الكفر البواح من الأفراد وسكوت الحكام _ حينئذ _ هي من حالات وجود المعصية البواح التي ورد ذكرها في الفقرة الروايات الأخرى للحديث . «وفد فسر النووي صاحب رياض الصالحين – الكفر الوارد في الحديث بالمعصية فقال: والمراد بالكفر هنا: المعاصي»

_ وأما دلالة الحديث على المنازعة حالة قيام النظام على عقيدة كفر فذلك لأن هذا النص الشرعي لم يحصر المنازعة لأصحاب السلطة في كفر الحاكم فقط. بل قال «..إلا أن تروا كفرًا بواحًا» ورؤية الكفر تصدق على الكفر الذي يُرى من الحاكم، وتصدق على الكفر الذي يُرى من غير الحاكم، كما تصدق على الكفر الذي يُرى في نظام الحكم عندما يقوم على عقيدة كفر ويجري فرضه على الناس، وذلك مثل أن يقوم نظام الحكم على عقيدة « لا إله والحياة مادة» أو «فصل الدين عن السياسة والحياة» ثم يجري بناء أنظمة الدولة والسياسة الداخلية والخارجية والمجتمع على أساس هذه العقيدة .

أما من يصر على فهم النص على وجوب طاعة الحاكم في معصية الله فنترك عبادة بن الصامت راوي الحديث يجيبه: وروى الطبراني في «مسند الشاميين» زيادات مهمة: عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليك بالسمع والطاعة: في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك، ولا تنازع الأمر أهله، وإن رأيت أنه لك»، قال عمير: فحدثني خضير أو حضير السلمي أنه سمع من عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلموزاد: «إلا أن يأمرك بإثم بواحًا عندك تأويله من الكتاب»، قال خضير أو حضير قلت لعبادة: (فإن أنا أطعته؟!)، قال: (يؤخذ بقوائمك فتلقى في النار، وليجئ هو فلينقذك!) هذا حسن جيد بذاته أيضًا، تقوم به الحجة، صحيح بشواهده ومتابعاته كما هي عند البخاري، ومسلم، وأحمد، وابن حبان وغيرهم.

هذه هي الحالات التي تضمنها الحديث الذي ذكر الكفر البواح؛ غير أن الروايات الأخرى الصحيحة للحديث ذكرت حالات أخرى دون الكفر البواح، ولكنها تأخذ حكم الكفر البواح في مشروعية استخدام القوة المسلحة معها في مواجهة السلطة الحاكمة، هذه الحالات هي:

  1. إذا برزت في المجتمع حالة «المعصية البواح» أي: المعصية السافرة الظاهرة التي تجري بين الناس مستعلنة لا تقابل بتغيير ولا نكير .

ولكي يتضح الفرق بين فسق الحاكم الذي لا يبيح الثورة عليه وبين المعصية البواح التي تكون الثورة معها مشروعة نمثل لذلك بالفسق الذي يجري داخل جدران قصر الحاكم من اقتراف للمنكرات وانتهاك للحرمات في حين تتسرب المعلومات عن ذلك إلى الناس دون أن يكون هذا الفسق ظاهرًا باديًا يرونه بأعينهم. فهنا لا مجال للثورة.

أما حين يجري هذا كله في حفل عام، بله أن تنقله الأجهزة المسموعة والمرئية دون خجل أو استحياء، فنحن أمام معصية الله بواحًا، حتى ولو لم يحضر الحاكم هذا الحفل ولكنه أذن به ولم ينكره. نعم نحن هنا أمام معصية الله بواحًا يتخذ معها الإجراء الذي أشارت إليه النصوص الشرعية بهذا الصدد. طبعًا بعدما تخفق محاولات التغيير السلمية.

ويشير إلى هذه الحالة الرواية التي أوردها الحافظ ابن حجر في «الفتح»: «.. وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تكون معصية الله بواحًا». ومفهوم هذه الرواية نازعوا الأمر أهله. أي : قاتلوا أصحاب السلطة إذا كانت معصية الله بواحًا.

أي: ظاهرة مستعلنة لا يواجهونها بتغيير ولا نكير. وأيضًا نقول بأن الحديث لم يحدد صاحب المعصية البواح، هل صدرت من الحاكم أم من غيره، بل ترك اللفظ عامًا ليشمل جميع الحالات (تكون معصية الله بواحًا).  ومن أوضح الأمثلة على ذلك:

(أ) عدم معاقبة من سخر من النبي،صلى الله عليه وسلم، وجعله مادة للنكتة و»الكاريكاتير»…

(ب) الامتناع عن معاقبة من يستحق العقوبات الشرعية من مثل المجاهرين باللواط، والزنا، والعري…

(ج) الانضمام إلى منظمة دولية، أو معاهدة دولية، أو حلف عسكري والتصديق على ميثاقها الذي يحتوي نصوصًا كفرية، أي نصوصًا تخالف المقطوع به من الإسلام. كما هو الحال بالنسبة للأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، وجميع المعاهدات والأحلاف الغربية تحت القيادة الأميركية، أو البريطانية، أو الفرنسية، فكلها تحتوي نصوصًا كفرية أو آثمة، فضلًا عما فيها من الإثم الفظيع والجرم الشنيع بسبب تولي الكفار، ونصرتهم، والخضوع تحت قيادتهم، والقتال تحت رايتهم!

(د) عدم منع البيوع والمعاملات التجارية المحرمة بقوة السلطان، عدم منع المعاملات الربوية، سواء بين أفراد الناس أم التجار، أم من قبل مؤسسات استثمارية ومصارف وبنوك تعمل عادة بتراخيص رسمية؛ فليست القضية قضية تكذيب الحاكم أو جحوده، هو لحكم تحريم الربا، أو سخريته منه، ليس أي شيء من ذلك هو القضية!

  1. «.. ما لم يأمرك بإثمٍ بواحًا» ومنطوق هذه الرواية عدم مشروعية المنازعة بالقوة المسلحة لأصحاب السلطة طيلة امتناعهم عن الأمر بالإثم بصورة معلنة ظاهرة. حتى ولو أمروا بالإثم والمعاصي ولكن بصورة خفية أو بصورة لا يصدق عليها الأمر البواح بالإثم – لا تجوز منازعتهم في هذه الحال إلا حين يصدرون إلى الناس ما يعتبر أمرًا بواحًا بالإثم والفسوق والعصيان فان مفهوم هذه الرواية يعطي مشروعية القتال في هذه الحال.

ومن صور ذلك: ما حدث حين أصدر حكام الخليج وغيرهم الأمر بمعاونة ونصرة الأميركان لهم في حربهم ضد المسلمين، وتمكينهم من قواعد، أو تزويدهم بمعلومات أمنية وعسكرية ضد المسلمين، كما فعلت دول الخليج وأكثر الدول العربية ضد العراق، وباكستان ضد أفغانستان.

هذه هي الحالات المتضمنة في حديث الكفر البواح أو المعصية البواح والتي تحدد شروط منازعة الأمة لولاتها، غير أن هناك حالات غيرها تمنع منابذة الأمراء حال إقامتهم للصلاة، وكما فصلنا في أحاديث المنازعة نفصل في حال المنابذة.

رواية عوف بن مالك «ما أقاموا فيكم الصلاة»

جاء في «صحيح مسلم» :وغيره عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل: يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدًا من طاعة».

 وفي بعض الطرق تكررت جملة: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة» مرتين أو ثلاثة، وهذا تأكيد

رواية أم سلمة «ما صلوا»

جاء في «سنن أبي داود» عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلمقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستكون عليكم أئمة: تعرفون منهم وتنكرون، فمن أنكر بلسانه فقد برئ، ومن كره بقلبه فقد سلم، ولكن من رضي وتابع!»، فقيل: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟!، قال: «لا ما صلوا».

وجاءت بعض الروايات بلفظ «صاموا وصلُّوا»

يقول عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بخيار عمالكم وشرارهم؟ قالوا: بلى يا رسول. قال خيارهم لكم من تحبونه ويحبكم، وتدعون الله لهم ويدعون الله لكم. وشرارهم لكم من تبغضونه ويبغضونكم، وتدعون الله عليهم ويدعون الله عليكم. فقالوا: ألا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا، دعوهم ما صاموا وصلوا». بإسناد حسن جيد. وكعادة أتباع السلاطين في الذب عنهم، تراهم يحملون هذه النصوص على معنى واحد وهو: صلاة الحاكم: يفسرون «ما صلوا» بأداء الحاكم للصلاة بشكل فردي، ويفسرون «ما أقاموا فيكم الصلاة» أي أذنوا لنا بالصلاة!!!  وكما يظهر فإن الخطأ هو هو، التعاطي القاصر والفاقد لأهلية البحث الفقهي السليم والذي يأخذ كل نصوص الباب في الدراسة والتحليل.

ولو أخذنا عبارة (ما أقاموا فيكم الصلاة) لوجدنا أن الأمر يتجاوز مجرد السماح بالصلاة إلى إقامتها، وإقامة الصلاة من قبل الحاكم يُتعاطى معها بشكل مختلف عن إقامة إمام المسجد للصلاة، فإقامة الصلاة من قبل الحاكم تتضمن وجوبًا لازمًا إقامة أحكامها جميعًا، ومنها تطبيق عقوبة ترك الصلاة. ومفهوم الحديث قاتلوهم إذا لم يقيموا فيكم الصلاة. ومعنى إقامة الحاكم للصلاة في الأمة هو دعوة الأمة إلى الصلاة ومحاسبتهم على تركها؛ لأن عدم المحاسبة على تركها يجعل الدعوة الظاهرة _ لو وجدت _ فارغة المحتوى، ومجرد شكل لا حقيقة له. وترجمة المحاسبة على ترك الصلاة في لغة العصر أن يتضمن قانون العقوبات في الدولة عقوبة معينة على ذلك. هذا وقد اعتبر القاضي عياض أن ترك الإمام للدعوة إلى الصلاة هو مثل طروء الكفر عليه ينعزل بذلك عن الإمامة.

هذا لو أخذنا مفهوم الحديث وحده، أما لو جمعنا قرائنه ومثلاته لتبدَّى بما لا يدع مجالًا للشك بأن إقامة الصلاة هي كناية عن إقامة الدين، ولطالما وردت الصلاة دالة على الدين من باب ذكر الشيء بأبرز ما فيه، كأن يسمى الوالي أمير الصلاة على سبيل المثال.

ولعل من أدل الأدلة على أن إقامة الصلاة هي إقامة الدين وتطبيق القرآن ما رواه البخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله». وحديث أم الحصين قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول في حجة الوداع: «إن أُمِّر عليكم عبد مجدع، يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا» حديث صحيح، أخرجه مسلم، والنسائي، وأحمد بأسانيد عدة، غاية في الصحة، وابن ماجة.

ومن يقودنا بكتاب الله ممن يستحق سمعنا وطاعتنا هو من يطبق فينا شريعة القرآن في دولة القرآن، بل قد صرح الحبيب عليه الصلاة والسلام بمنتهى الدقة على اشتراط إقامة دين الله من قبل الأمراء واجبي الطاعة فقال: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين» رواه البخاري، فذكر أن الحكم بكتاب الله، أي تحكيم الشريعة، وإقامة الدين كذلك، شرط في صحة ولايتهم التي توجب طاعتهم. أما من يقودنا بشريعة الغرب، وأقام فينا مبدأ العلمانية؛ فلا سمع ولا طاعة ولا اتباع.

تجدر الملاحظة هنا إلى أن كل ما سبق من بحث في نصوص الكفر البواح ونصوص ما أقاموا فيكم الصلاة هي حصرًا في حق الخلفاء الشرعيين المبايعين من قبل الأمة واجبي الطاعة بالمعروف، الذين طرأ عليهم الكفر البواح، ولا تنطبق على الطواغيت المعطلين لشرع الله؛ فهؤلاء لا سمع ولا طاعة ولا شرعية لهم لا في حلال ولا حرام، وليس لهم عندنا إلا الدعوة ضدهم والاستنصار لخلعهم.

نأتي الآن إلى المسألة الأخيرة التي يتذرعون بها وهي قضية السلطان المتغلب:

  • ورد في جواب سؤال لحزب التحرير بتاريخ 14 من رمــضان المبارك 1435هـ الموافق  12 تموز/يوليو 2014م:

«أما موضوع السلطان المتغلب الذي ورد في بعض كتب الفقه فيجب إدراك معناه، وليس فقط تكرار اللفظ “السلطان المتغلب» دون أن يدرك متى وكيف يمكن أن تقوم شرعًا به قائمة، ومتى وكيف لا تقوم به شرعًا أية قائمة، بل يكون وبالًا على أهله!. إن السلطان المتغلب يكون آثمًا على سفك دماء المسلمين والتسلط عليهم بالقهر والجبر والإكراه، ولا تقوم به خلافة شرعًا لمخالفته الطريقة الشرعية.. غير أن من الفقهاء من يرى أن هذا السلطان المتغلب يصبح حكمه مشروعًا إذا تحققت له شروط أبرزها:

أ- يتغلب في بلد له مقومات الدولة حسب المنطقة حوله، فيكون له السلطان المستقر فيها ويكون له فيها حفظ أمن البلد داخليًا وخارجيًا تجاه المنطقة حوله.

ب- يطبق الإسلام بالعدل والإحسان في ذلك البلد، ويسير سيرة حسنة بين الناس، فيحبهم ويحبونه ويرضون عنه.

ج- يقوم الناس في ذلك البلد ببيعته بيعة انعقاد بالرضا والاختيار، وليس بالإكراه والإجبار، وبشروط البيعة الشرعية ومنها أن تكون البيعة في الأساس من أهل ذلك البلد، وليست من مجموعة السلطان المتغلب، لأن البيعة الشرعية هي هكذا اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلمفي الأساس على أخذ بيعة الأنصار أهل المدينة المنورة بالرضا والاختيار، وليس أخذها من أصحابه المهاجرين، وبيعة العقبة الثانية تنطق بذلك.

وهكذا يستمر السلطان المتغلب آثمًا، لا تقوم به قائمة شرعية إلا بعد أن تتحقَّقَ له الشروط الثلاثة أعلاه، فعندها يصبح حكم السلطان المتغلب مشروعًا من لحظة تلك البيعة بالرضا والاختيار. هذا هو واقع السلطان المتغلب، فعسى أن تعيها أذن واعية. وواضح منها أن هذه الشروط لم تتحقق لأصحاب ذلك الإعلان، بل فرضوا أنفسهم وإعلانهم على غير وجه حق». انتهى.

والفقهاء مجمعون على أن طاعة المتغلب واجبة ما أقــام على الجمعات والأعياد والجهاد، وأنصف المظلوم في الأغلب»[ابن بطال، شرح صحيح البخاري:2/ 327]. فلاحِظوا يا رعاكم الله- كيف أوجب طاعة المتغلب، ثم بين من هو المتغلب المطاع؛ (ما أقام على الجمعات والأعياد والجهاد وأنصف المظلوم في الأغلب) أي أقام الدين وأقام كتاب الله وقاد به ورفع راية الجهاد لتحرير البلاد والعباد؛ كما في الأحاديث السابقة، وليس أي متغلب كما يزعم الزاعمون!

أخيراً خطؤهم في تنزيل النصوص على الواقع :

رأينا الأخطاء الفظيعة والجهل الكبير في تحقيق المناط وفي فهم النصوص، ولكن الأشنع من هذا أن يتجرأ أصحاب هذا الطرح على تنزيل هذه النصوص الشريفة على طواغيت مجرمين كالذين يحكمون أمتنا.

وبعد هذا التطواف في النصوص، نجد بأن السنة المطهرة قد جاءت أحاديثها بطائفتين من النصوص:

  • أحاديث تتكلم عن خلفاء شرعيين بايعتهم الأمة وحكموا بالإسلام لكنهم جاروا أو فسقوا، فهؤلاء أمرنا الله بالصبر عليهم واحتمال أذاهم ما لم تتجاوز مخالفاتهم الخطوط الحمراء كظهور الكفر البواح أو المعصية البواح، فعندها يجب خلعهم من قبل الأمة.

  • أحاديث أخرى تتكلم عن طواغيت عطلوا حكم الله وتأمروا على رقاب العباد، فهؤلاء لا سمع ولا طاعة لهم لا في معروف ولا في منكر، بل تأثم الأمة على سكوتها عنهم كل الإثم. هذا وإننا نبرأ إلى الله وإلى رسوله الكريم مما تسبب به هؤلاء الأشقياء عبَّاد البلاط من حرج أوقعوا فيه أمتنا وشغبوا في دينها، حرج جعل الحليم حيرانًا. فإلى هؤلاء نسلط عليهم حديث الرسول الذي يملأ القلب هناءة وأنسًا، ويملأ أهل الحرج غما ورجسًا، فبأبي أنت وأمي يا رسول الله ونحن نراك تخذِّل عنا وتجيبهم عنا: عن أبى عتبة الخولاني قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «لا تحرجوا أمتى ــ ثلاث مرات ــ اللهم من أمر أمتي بما لم تأمرهم به فإنهم منه في حل». حسن صحيح على شرط ابن حبان.

وأخيراً نقول لهؤلاء: كفاكم عبادة لهؤلاء الطواغيت، فطاعتكم لهم هي عين العبادة: فعن عدي بن حاتم، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلميقرأ هذه الآية:(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح ابن مريم، ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون). فقلت له: «إنا لسنا نعبدهم» قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟»، فقلت: (بلى)، قال: «فتلك عبادتهم» أهـ..

لعلها عبارة مستفزة توحي بتضخيم زائد للمسألة، نحن لا نعبد الحكام!!! إنما نعبد الله تعالى! قد يقولها مستهجن وهو يرى نفسه بعيدًا كل البعد عن ذلك التوصيف الخطير لعلاقته بحكام السوء… وإذا كان مجرد اتباعهم عبادة، فكيف بمن يوالي ويعادي ويحب ويبغض ويبرر ويدعو ويبشر ويفاخر على أساس شرع هؤلاء وسوء منهجهم..!!؟ 
الأصنام والأوثان ليست بالضرورة من حجارة تصنع بالأيدي، بل قد تكون دساتير تُكتب بالأيدي، وشخصيات تلوح بالأيدي، ومشايخ تقبل تلك الأيدي… هي صرخة من القلب المشفق الغيور على مآل أمته وعلى مصير إخوانه، صرخة في وجه من لا زال حتى اليوم يرى الحرام البواح، قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، تقترفه أيدي حكامنا الآثمة بدم بارد، فلا هو ينكر ولا هو يرتدع، إنما يسدر في اتباعهم وقد أصمَّ أذنيه عن نداءات الفطرة السليمة في قلبه، وحوَّل -دون أن يدري- قبلته شطر الحاكم الحرام…

إلى كل من لا زالت حتى يومنا هذا تخدعه ألاعيب ملوك الضلالة وتنطلي عليه شبهات دجاليهم، ورهبان قصورهم، وعلماء بلاطهم: الحذار، الحذار… الله الله في عبادتكم وولائكم، نحن أمة البرهان ولسنا أمة الرهبان، نحن أمة الأحكام ولسنا أمة الحكام… تبصروا فإن الله لم يقبل منا، حتى حين أمرنا باتباع سبيله هو، إلا أن يكون اتباعنا على بصيرة. فسبيل الله لا تجرفه دموع زائفة، ولا تحرفه فتاوى واجفة، ولا يشترى بمصالح متوهمة، ينثرها لنا دجالون ليضلونا بها عن سبيله… طهروا قلوبكم من ألقاب الفخامة التي غدت أربابًا يعبدها الناس رغبًا ورهبًا…!! الملك والسلطان وولي الأمر والرئيس والحاكم هو أمر الله، وحده من له ألقاب السيادة والفخامة والجلالة والسمو، هو الأعلى والأغلى عندنا من الرجال، بل هو ميزان الرجال… أمر الله، وليس الجبة والعمامة، هو من يضفي الشرعية على العلماء وهو من ينزعها عنهم… أمر الله، وليس القوة وبسطة الجاه والأتباع والمال، هو من يسبغ الشرعية على الأنظمة وهو من يسلخها عنهم… اللهم يا من بين إصبعيه قلوبنا، ولا تخفى عليه عيوبنا، طهِّر تلك القلوب من كل ولاء لحاكم أو سلطان غير سلطانك. اللهم إن سادتنا وكبراءنا قد أضلوا قومنا السبيل، فاجعلنا سببا تُقوِّم به صراطك المستقيم.
اللهم بدِّل بنورك وجهتنا من اتباع الأقوياء إلى اتباع الأنبياء. يا ربنا أرنا اللذَين أضلانا من الجن والأنس نجعلهما -في الدنيا قبل الآخرة- تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين، وأرنا يا حسيبنا نهاية فتنة الحكام وافتضاح مكرهم وانهدام معابدهم على أيدينا بحولك وكرمك. واجعل البقية التي نراها اليوم من فتنتهم آخر عهد لنا بانخداع قومنا، واجعلها آخر عروش تعبد من دون وجهك الكريم.

شاهد أيضاً

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (395)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (395) ذو الحجة 1440هـ – آب/أغسطس 2019م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *