العدد 390-391-392 - السنة الثالثة والثلاثون -رجب – شعبان – رمضان – 1440هـ – آذار – نيسان- أيار 2019م

السلطان عبد الحميد الثاني تاريخ مشرف ورجل زمانه

السلطان عبد الحميد الثاني تاريخ مشرف ورجل زمانه

علي القاضي – اليمن

«يجب تقوية روابطنا ببقية المسلمين في كل مكان، يجب أن نقترب من بعضنا البعض أكثر وأكثر؛ فلا أمل في المستقبل إلا بهذه الوحدة، ووقتها لم يحن بعد، لكنه سيأتي اليوم الذي يتحد فيه كل المؤمنين وينهضون نهضة واحدة، ويقومون قومة رجل واحد يحطمون رقبة الكفار» عبد الحميد الثاني.

 

سوف نستعرض تاريخ رجل تعرض تاريخه المشرف للتزوير والدجل والافتراء؛ حتى يشاهد أبناء أمة الإسلام حجم المؤامرة على تاريخهم وتاريخ خلفائهم العظيم؛ ولهذا فإن المسلمين هم بأمسِّ الحاجة في أيامنا هذه إلى إعادة النظر في تاريخهم المجيد وتنقيته من الشوائب والتزوير الذي أدخله عليه الغرب الكافر وعملاؤه، وأخذ يروِّج لها ويبثها في عقول أبناء الإسلام.

مولده ونشأته:

ولد السلطان عبد الحميد الثاني يوم الأربعاء 16 شعبان 1258 هـ / 22 سبتمبر 1842م، وهو ابن السلطان عبد المجيد الأول، وتلقى تعليمه بالقصر السلطاني وأتقن من اللغات: الفارسية والعربية، وكذلك درس التاريخ وأحب الأدب، ونظم بعض الأشعار باللغة التركية العثمانية، تدرب على استخدام الأسلحة وكان يتقن استخدام السيف، وإصابة الهدف بالمسدس، وكان مهتمًا بالسياسية العالمية، ويتابع الأخبار عن موقع بلاده منها بعناية فائقة ودقة نادرة .

ويعتبر خليفة المسلمين الثاني بعد المائة، والسلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، والسادس والعشرون من سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة، وآخر من امتلك سلطة فعلية منهم، وقد استمرت فترة حكمه أكثر من 30 سنة.

توليه الخلافة:

تولى سلطاننا الحكم سنة 1293هـ الموافق 1876م، والدولة تعجُّ بالفوضى، حيث كانت الدولة في منتهى السوء والاضطراب، سواء في ذلك الأوضاع الداخلية أم الخارجية، فبعد اتفاقية لندن سنة 1840م التي وضعت حدًا لأطماع عميل فرنسا محمد علي باشا حاكم مصر، وبعد حرب القرم التي اشتعلت سنة 1856 وسنة 1858 وما تمخض عنها من اتفاقات، بعد ذلك ازداد تدخل الدول الأوروبية في شؤون الدولة العثمانية، وفُرض عليها تطبيق بعض القوانين المخالفة للإسلام، أخذ قناصل أوروبا يبثُّون الأفكار المسمومة، وأخذت المدارس التبشيرية توجه طلابها إلى زيادة الشقاق بين رعايا الدولة، فاشتعلت عدد من الفتن الداخلية، وشُنت بعض الحروب الخارجية، وأخذ عملاء بعض الدول الأوروبية من كبار مثقفي وموظفي الدولة يطالبون بتطبيق الدستور المأخوذ من عدد من الدساتير الأوروبية، متأثرين بأفكار الثورة الفرنسية، وأنظمة بعض الدول الأوروبية، مرجعين سبب ضعف الدولة إلى التزام الدولة بتطبيق الأحكام الشرعية، واشرأبَّت نفوس بعض كبار الموظفين وعلى رأسهم رشيد باشا ثم مدحت باشا إلى المسّ بأنظمة الدولة والتطاول على سلاطينها، فتم قتل السلطان عبد العزيز بمؤامرة خبيثة دبرها مدحت باشا، وتم عزل مراد الخامس عن السلطنة بعد ثلاثة أشهر من توليه السلطنة، في هذه الآونة تولى عبد الحميد السلطة، فالمطالبون بتطبيق الدستور كُثر وعلى رأسهم مدحت باشا، فما كان من السلطان إلا أن انحنى للعاصفة وطبق الدستور، ولكنه بعد عام انقضَّ السلطان على الدستور الوضعي فألغاه وأعاد الشريعة الإسلامية لتحكم في أمور الحياة، ثم طارد هؤلاء العملاء وأبعدهم عن مراكز التأثير ونفى زعيمهم مدحت باشا إلى الحجاز حيث مات هناك.

ولكن الدول الأوروبية لم يتركوا السلطان يلتقط أنفاسه، فسرعان ما اشتعلت الحرب الروسية العثمانية بمباركة من بقايا أنصار تطبيق الدستور، وعلى الرغم من عدد الانتصارات الرائعة التي حققها العثمانيون في البلقان وشرق الأناضول؛ إلا أن تكالب أعداء الدولة من الروس وشعوب البلقان النصرانية، وبعض الدول الأوروبية، مكَّنت الروس والثائرين من هزيمة الدولة العثمانية، فاحتلت روسيا مناطق واسعة في البلقان وشرق الدولة مما أدى إلى عقد اتفاقية سان استيفانو المهينة، ولما اطلع السلطان عبد الحميد على بنود الاتفاقية من رئيس مفوضي الدولة العثمانية مزّق هذه المعاهدة، وتم تعديلها في مؤتمر برلين سنة 1878م. وقد خسرت الدولة العثمانية البلقان بعد هذه الحرب، ووضح للسلطان خسة ونذالة الدول الأوروبية، وسوء نواياها تجاه الدولة، ورغبتها في اقتسام ممتلكات الدولة العثمانية، تمهيدًا للقضاء عليها، فأخذت النمسا مثلًا البوسنة والهرسك، وأخذت روسيا بعض الأراضي شرق الدولة وفي البلقان، ثم أخذت بريطانيا جزيرة قبرص، وفرنسا تونس سنة 1881م، وبريطانيا مصر سنة 1882م، وأخذت بريطانيا بعض سواحل الجزيرة العربية فاقتربت كثيرًا من البصرة، وبدأ بعض مشايخ عسير واليمن بتنظيم تمرد على الدولة، وأخذت الدولة تعاني الأمرَّين من كثرة ديونها؛ مما اضطرها إلى منح بعض الامتيازات الاقتصادية لبعض الدول الأوروبية. أدرك سلطاننا هذه الأخطار، فبدأ بكل همة ونشاط بالقيام بإصلاح الدولة، وبدأ ذلك بإيجاد اللحمة بين رعايا الدولة، فهمَّ بجعل اللغة العربية اللغة الرسمية؛ ولكنه وللأسف الشديد وجد معارضة شديدة من كبار موظفي الدولة وعلمائها مما أجبره على الإقلاع عن هذه الفكرة، ثم أخذ يتقرب إلى الرعية، فقام بحماية الأكراد من الأخطار التي كانت محدقة بهم من الأرمن، كما بث فكرة احترام الخلافة بين رعايا الدولة وبين الرعايا المسلمين في الكيانات الإسلامية الأخرى، فاعتبرت الشعوب الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها أن الخلافة حكم شرعي، وأن للخليفة حق الطاعة والنصح في أعناق المسلمين، ثم حثَّ المسلمين على توحيد كلمتهم ورص صفوفهم للوقوف في وجه أطماع الاستعمار الأوروبي. أما الجيش فقد أخذ يعده إعدادًا جيدًا بتدريبه على فنون القتال الحديثة على يد مدربين ألمان، كما جعل الأسطول العثماني ثاني أسطول في العالم بعد الأسطول الإنجليزي. ثم افتتح كثيرًا من المدارس والمعاهد العسكرية وغير العسكرية إدراكا منه لأهمية العلم. أما ديون الدولة فقد رسم خطة للتخلص من هذه الديون التي كانت تكبِّل وتشلُّ إرادة الدولة، ولم تمضِ سوى بضع سنين باعتراف أعدائه إلا وقد سدد ثلاثة أرباع ديون الدولة. وإدراكا منه لأهمية المواصلات في تقدم الدولة والسيطرة على جميع أطرافها، أنشأ شبكة عظيمة من خطوط السكة الحديدية، وما مشروع خط إستانبول- البصرة، ومشروع سكة حديد الحجاز؛ إلا أمثلة رائعة على هذه المشاريع الناجحة. لقد كان رحمه الله يريد ربط إستانبول بصنعاء، فتم في عهده إيصال الخط الحديدي إلى المدينة المنورة، ولكن وللأسف الشديد لم يستخدم هذا الخط إلا بضع سنين؛ إذ سرعان ما خربته بريطانيا وعملاؤها من رجالات ما سمي بالثورة العربية الكبرى، بل ولا زال هذا الخط معطلًا؛ إذ لم يرد الإنجليز وأذنابهم أن يذكر هذا الخط فيما إذا أعيد استخدامه بدولة الخلافة العثمانية.

عزله

وهذا نص الفتوى ذات الوجهين الموقع من قبل شيخ الإسلام محمد ضياء الدين أفندي، ووافق عليها (مجلس المبعوثان) بالإجماع:

«سؤال: إذا قام إمام المسلمين زيد فجعل ديدنه طي وإخراج المسائل الشرعية المهمة من الكتب الشرعية، وجمع الكتب المذكورة، والتبذير والإسراف من بيت المال، واتفاقية خلاف المسوغات الشرعية، وقتل وحبس وتغريب الرعية بلا سبب شرعي، وسائر المظالم الأخرى، ثم أقسم على الرجوع عن غيه، ثم عاد فحنث وأصر على إحداث فتنة ليخلَّ بها وضع المسلمين كافة، فورد من المسلمين من كافة الأقطار الإسلامية بالتكرار ما يشعر باعتبار زيد هذا مخلوعًا، فلوحظ أن في بقائه ضررًا محققًا وفي زواله صلاحًا، فهل يجب على أهل الحل والعقد وأولياء الأمور أن يعرضوا على زيد المذكور التنازل عن الخلافة والسلطنة أو خلعه من قبلهم؟!

الجواب: نعم»

فلا نجد غرابة في قول السلطان عبدالحميد – رحمه الله – في مذكراته «منذ إبعادي عن العرش حتى الآن كتبوا ضدي مجموعة من المقالات وعديد من الكتب، يقطر الدم من قلم أعدائي، فما أكثر ما لم أعمله» لذلك فإن المسلمين هم بأمسِّ الحاجة في أيامنا هذه إلى إعادة النظر في تاريخهم وتنقيته من الشوائب والتزوير الذي أدخله عليه الغرب الكافر وعملاؤه، وأخذ يروِّج له ويبثه في عقول أبناء الإسلام.

مواقف مشرفة

  • موقفه من إنشاء كيان يهود:

تعتبر هذه الحادثة التي بلغ فيها السلطان عبد الحميد رضي الله عنه مبلغًا عظيمًا من الوعي والإخلاص، فهي موقفه الرائع من مشروع إنشاء كيان لليهود في فلسطين، وإن من يقرأ تاريخ سلطاننا بتمعن ليدرك كم كان سلطاننا واعيًا! وكم كان سلطاننا مخلصًا! وكم كان سلطاننا أبيًّا! كما إن من يطلع على مؤامرات الدول الكبرى الكافرة وصنائعهم من يهود الدونمة والعملاء من رؤساء جمعيات تركيا الفتاة، والعربية الفتاة، وجمعية الاتحاد والترقي، وجمعية العهد وغيرها، إن من يطلع على كل هذا ليدرك تمام الإدراك خسة ونذالة يهود الدونمة الذين تنكرت لهم جميع دول أوروبا بعد سيطرة الأسبان على الأندلس سنة 1492م ولم يجد هؤلاء إلا صدر الدولة العثمانية الحنون وصدر المسلمين الدافئ، والذين تسيرهم أحكام دينهم الذي يقدر حرمة سفك الدماء، ويقدر حق كل إنسان في الحياة. مع كل هذا كان هؤلاء المتنكرون أول من لبَّى نداء دول أوروبا الكافرة التي اضطهدتهم وطردتهم واحتقرتهم، لبوا نداءها بالتآمر على الدولة العثمانية. فهم أول من أنشأ الجمعيات الماسونية وغيرها والتي كان هدفها تحطيم الدولة العثمانية، وقد عرض عليهم نابليون بونابرت إنشاء كيان لهم في فلسطين ولكنهم لم يكونوا مهيئين لتنفيذ عرضه، ثم أخذت الدول الأوروبية تسخرهم وبخاصة بريطانيا وهم لا يتورعون على استخدام جميع الوسائل والأساليب، وبخاصة النذِلة والماكرة منها لتحقيق غرضهم، ومع مرور الزمن تمكن هؤلاء الخبثاء من إقناع عدد من كبار موظفي وضباط الدولة، وبخاصة من درس منهم في الخارج، أقنعوهم بالانضمام لهذه الجمعيات للتآمر على الدولة. فماذا فعلت الدولة تجاههم؟ أخذت الدولة تراقبهم ثم قضت على بعض دعواتهم الفكرية؛ ولكنه لم يكن لدى الدولة أدلة كافية لإدانتهم، ونحن المسلمين لا نعاقب مجرمًا إلا بعد ثبوت إدانته، وظل هؤلاء وأعوانهم وأسيادهم من الكفار الأوروبيين يتآمرون حتى ظهرت دعوة هيرتزل بإنشاء دولة يهودية في فلسطين، وقد دفعته بريطانيا للمطالبة بإنشاء كيان لليهود في فلسطين؛ لأن ذلك يخدم مخططات الإنجليز في السيطرة على المنطقة، وحماية قناة السويس الحيوية لمواصلاتها البحرية، وهدم الدولة العثمانية في نهاية المطاف، ولم يرضخ السلطان لضغوط بعض متنفذي الدولة العثمانية، ولا لضغوط وليم الثاني إمبراطور ألمانيا، ولا لضغوط بريطانيا، ولم يتمكن هيرتزل من مقابلة السلطان إلا بعد محاولات ثلاث، وأراد السلطان أن يعرف مكنون نفس هيرتزل، فتركه يعرض مشروعه، فرفض السلطان هذا المشروع الذي كان هدفه اقتطاع فلسطين من الدولة العثمانية وإعطائها لليهود، وقد عرض هيرتزل مقابل موافقة السلطان عروضًا مغرية، منها تخلي دول أوروبا عن مساندة الأرمن، وتسديد أغلب ديون الدولة العثمانية، ودعمهم في إنشاء أسطول عثماني قوي، إضافة إلى مبلغ كبير كرشوة للسلطان… فاسمعي أيتها الدنيا ماذا أجاب سلطانُنا بولنسكي صديقَ هيرتزل قائلًا: «انصح صديقك هيرتزل أن لا يتخذ خطوات جديدة حول هذا الموضوع؛ لأني لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة؛ لأنها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي، وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض، ورووها بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم. إذا مزقت دولتي من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل؛ ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولًا في جثتنا؛ ولكن لا أوافق على تشريح جثتي وأنا على قيد الحياة» ثم يقول رحمه الله في مذكراته أيضًا: «ومن المناسب أن نقوم باستغلال الأراضي الحالية في الدولة، وهذا يعني من جانب آخر أنه كان علينا أن ننهج اتباع سياسة تهجير خاصة، ولكننا لا نجد أن هجرة اليهود مناسبة لأن غايتنا هي استيطان عناصر تنتمي إلى دين أسلافنا وتقاليدنا؛ حتى يستطيعوا الهيمنة على زمام الأمور في الدولة».

هذا هو موقف سلطانكم، هذا هو موقف خليفتكم أيها السادة، قارنوا بين موقفه المبدئي النبيل وبين موقف رويبضات هذه الأمة ممن يتسلمون زمام حكم المسلمين عبيدًا ونواطير لأسيادهم المستعمرين، قارنوا بين موقف هذا السلطان التركي بزعمهم وبين موقف من يعتبر نفسه من ذؤابة العرب، وبين من يعتبر نفسه أنه من فلسطين كأزلام السلطة الوطنية الفلسطينية المزعومة. إن هؤلاء العملاء تنازلوا عن فلسطين كل فلسطين لأعدائهم، بل لم يكتفوا بذلك، وإنما جعلوا أنفسهم في خندق الكفار، وأخذوا يطاردون حملة الدعوة والمجاهدين يقتلونهم ويشردونهم ويسلمونهم لأميركا وغيرها من دول الكفر ظانين أن أفعالهم القبيحة تحسن سلوكهم عند أسيادهم؛ ولكنهم عبيد عبيد. فسحقًا لهم، وإنهم لسبَّةُ عارٍ على هذه الأمة، وإننا لنخجل أن يحملوا أسماءنا وينطقوا بلساننا.

ولنعد إلى سلطاننا، فماذا عساه أن يفعل لمقاومة هذا المشروع؟ لقد فعل ما يلي:

1-ضم سنجق القدس لمكتبه مباشرة وعيَّن عليه واليًا يتصل بالسلطان مباشرة؛ وذلك ليحمي القدس وما حولها من العبث، ويحبط إغراءات اليهود وقناصل الدول الكبرى لوالي القدس.

2-شدد على مراقبة اليهود في فلسطين، ومنع الزوَّار اليهود من رعايا الدول الكافرة من المكوث في فلسطين أكثر من شهر واحد.

3-جعل أرض فلسطين تتوزع في أربع ولايات عثمانية: قسم يشرف عليه السلطان وهو القدس وما حولها، وقسم ضُمَّ لولاية دمشق، وقسم ثالث ضُمَّ لولاية بيروت، وقسم رابع ضُمَّ لولاية صيدا.

فماذا فعلت الدول الاستعمارية الكافرة؟ ازداد تآمر هذه الدول على الدولة العثمانية، وقررت أن لا بد من عزل السلطان عبد الحميد الذي اعتبر عقبة كأداء يحول دون تحقيق أطماعها في الدولة، وعقدت الدول الكبرى مؤتمرًا برئاسة كامبل باترمان وزير خارجية بريطانيا آنذاك سنة 1907م، وقررت اقتسام الدولة العثمانية، وسرعان ما نجحت مؤامرة جمعية الاتحاد والترقي التي استولت على الحكم في الدولة، وعزلت السلطان عبد الحميد سنة 1909م، وعينت مكانه أخاه محمد رشاد الذي لم يكن يملك من الحكم إلا اسمه، وسرعان ما اشتعلت الحرب العالمية الأولى ودخلت الدولة هذه الحرب دون أن يكون لها فيها ناقة ولا جمل إلى جانب ألمانيا والنمسا، فتمت هزيمتها، ثم قسمت بين المنتصرين في اتفاقية سايكس –بيكو، واصطنعت بريطانيا مصطفى كمال بطلًا، ومكَّنته من تحقيق انتصارات وهمية، وقد راهنت عليه في القضاء على الخلافة ومحو أي أثر للإسلام في تركيا، والتخلي عن جميع ممتلكات الدولة العثمانية عدا الأناضول، فتم القضاء على الخلافة نهائيًا سنة 1924م، وأسست ما سميت بجمهورية تركيا، كجمهورية علمانية تكنُّ بغضًا وحقدًا وكيدًا للإسلام والمسلمين.

  • موقفه من المشاركة في الحرب العالمية الأولى

بعد عزله، فقد جاءه أنور باشا وهو أحد أركان حكومة الاتحاد والترقي قبل اشتعال الحرب العالمية الأولى، فنصحه السلطان ألا تشترك الدولة في هذه الحرب، وأبلغه أنه كان طوال حياته يراهن على قيام حرب واسعة بين الدول الأوروبية لتتولى الدول الأوروبية تحطيم نفسها، وتبقى الدولة العثمانية بعيدة عن الحرب، وبذلك تعطى الدولة فسحة من الوقت لالتقاط أنفاسها وتجديد شبابها، ولكن عملاء الإنجليز من رجالات جمعية الاتحاد والترقي أبَوا إلا أن يحطموا الدولة، فتم قضاء الله وكان لهم ما أرادوا.

  • موقفه من الانسحاب من إستانبول

بعد أن اتضحت ما ستكون عليه نتائج الحرب العالمية الأولى سنة 1918م، زاره أيضًا أنور باشا في سجنه، فعلم السلطان أن أركان جمعية الاتحاد والترقي يفكرون في الانسحاب من إستانبول، فأجابه السلطان عبد الحميد قائلًا: بلغ أصحابك الاتحاديين واستحلفهم بالله ألا ينسحبوا من إستانبول، فنحن لسنا أقل شجاعة وإقدامًا وتضحية من قسطنطين الحادي عشر آخر أباطرة البيزنطيين الذي ظل يقاتل حتى خرَّ صريعًا سنة 1453م عندما تم فتح القسطنطينية على أيدي الفاتح رضي الله عنه.

وفاته

بعد موقف سلطاننا النبيلة مواقف عز وأنفة وسؤدد رغم أنه كان سجينًا، فلقد أكرمه الله تعالى بأن اختاره إلى جواره سنة 1918م قبل أن يريه جيوش الإنجليز وحلفاؤهم وجنود عميلهم مصطفى كمال المذلة، وهي تعيث فسادًا في عاصمة الخلافة أعظم مدن الدنيا.

قالوا في السلطان عبد الحميد رحمه الله:

1-«عبد الحميد الثاني واحد من أعظم الشخصيات المفترى عليها في التاريخ». آت صز «كاتب تركي».

2- «يرحم الله عبد الحميد، لم يكن في مستواه وزراء ولا أعوان ولا شعب، لقد سبق زمانه، وكان في كفايته ودرايته وسياسته وبعد نظره؛ بحيث استطاع وحده بدهائه وتصرفه مع الدول تأجيل انقراض الدولة ثلث قرن من الزمن، ولو وجد الأعوان الأكفياء والأمة التي تفهم عنه لترك للدولة بناءً من الطراز الأول». سعيد الأفغاني «أستاذ جامعي وكاتب»

3- «أيها السلطان العظيم: لقد افترينا عليك دون حياء». الدكتور رضا توفيق، أكبر مفكر في حركة الاتحاد والترقي.

4- «أتعرف يا جمال ما هي مصيبتنا؟ قمنا بالانقلاب ونحن آلة في يد الصهيونية، ولم نكن ندري، كنا أغبياء». أنور (من كبار المتآمرين ضد السلطان عبد الحميد).

5- «كان السلطان عبد الحميد مثال العفة والوقار، وسيذكره التاريخ بالاحترام والترحم عليه». إسماعيل حامي دانشمند (مؤرخ تركي مشهور).

6- «كان عفيفًا بكل معنى الكلمة، فلم يكن يمد عينيه إلى عرض أحد، أو مال أحد». رشيد بك (سكرتير في مكتب السلطان وأحد وزراء داخليته).

7- «كان يؤدي الصلوات في أوقاتها، ويقرأ القرآن كثيرًا، ويرتاد المساجد». الأميرة عائشة.

8- «لم يكن فاسقًا، ولا ظالمــًا، ولا قابلًا للرشوة). اللورد بيكونسفيلد

9- «عبد الحميد الثاني مضطهِد «إسرائيل»…إنه عدو إسرائيل». صحافة سلونيك اليهودية

10- «لو وُزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر، لرجحهم ذكاءً ودهاءً وسياسةً. وأعظم ما أدهشني ما أعد ما خفي من الوسائل، وأقصى العوامل، كي لا تتفق أوروبا على عمل خطير في الممالك العثمانية». جمال الدين الأفغاني.

11- «السلطان عبد الحميد، سيد الحكماء، وقدوة الساسة، وقادة الأمم». مصطفى كامل باشا (زعيم مصري)

12- «هنيئًا أمير المؤمنين، فإنما نجاتك، للدين الحنيف نجاة». أحمد شوقي

13- «في تصوري أن السلطان عبد الحميد الثاني، تعرض لحملة قاسية من النقد، أثارها أولًا الكتَّاب الأوروبيون بدافع الحقد عليه بسبب سياسته الإسلامية، وجاراهم في ذلك الكتاب العرب الذين كرهوا عبد الحميد مثلما كرهوا فترة الحكم العثماني للبلاد العربية، وبخاصة في المشرق؛ حيث يمكن أن نطلق على عبد الحميد اسم السلطان المفترى عليه». الدكتور محمود صالح منسي (مؤرخ مصري)

14- «السلطان الغازي عبد الحميد خان، أمير المؤمنين، خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم، من نفتخر بوجوده، ونرتع في ظلال عهده، لا زال مبتهجًا به الزمان، مسعدًا بطلعته النيران، مزينًا به عرش الخلافة الإسلامية، مفتخرًا بآثار جلالته الأمة العثمانية». إمام الشافعية في الشام.

15-«فإذا ذكر التعليم – في عهد عبد الحميد- فلا يسعنا إلا أن نقول الحق، فنعترف أنه رقي فوق ما كان عليه درجات، وأن معظم العثمانيين أصبحوا ولهم نصيب من العلم، ولقد أربى عدد القارئين الكاتبين على عدد الأميين في كثير من الولايات». سليمان البستاني (كاتب شامي).

16- «كان عبد الحميد مقتنعًا بأن إعطاء الحرية للأمة، دون سابق إعداد وتربية، من شأنه الإضرار بالأمة، لذلك حث الخطا، وشمر عن ساعديه، لإقامة المؤسسات الثقافية في البلاد». سعدى بوراق (كاتب وسياسي تركي).

17-  «كان عبد الحميد دبلوماسيًا عظيمًا، كان يعرف جيدًا كيف يمكن أن يستفيد إلى أقصى حد من التنافس الموجود بين الدول الكبرى الراغبة في التوسع والاستعمار، وكان هدفه إبعاد بلاده عن خطر الحرب في شكل المحافظة على علاقاته بالدول الكبرى». سير هنري وودز (مشير بالبحرية العثمانية).

18- (إن عبد الحميد مُجد غاية الجِد، إذ يعمل بحيوية وطاقة تفوق جميع من يعمل معه من الوزراء، وهو سياسي من الدرجة الممتازة، فقد أدار البلاد العثمانية المترامية الأطراف، وكانت مشرفة على الزوال إدارة ممتازة، وأخذ بإصلاحها وترقيتها». إليزابيث ورملي ليتمر (كاتبة أميركية).

19- «إن أسمى رغائب السلطان عبد الحميد، أن يرى المسلمين في رفعة وسؤدد، مجتمعين حول الخلافة». مصطفى كامل باشا (زعيم مصري).

20- (كان متواضعًا ورزينًا إلى درجة حيرتني شخصيًا، متمسكًا بدينه غاية التمسك، يرعى العلماء و»رجال الدين». إنني أستطيع القول بكل ثقة: إن العثمانيين إذا استمروا بالسير في الطريق الذي رسمه هذا السلطان، فإنهم سيسترجعون مجدهم السابق، وقوتهم السابقة، وسيصلون إلى مستوى الدول الأوروبية في مجال الثقافة والاقتصاد في مدة قصيرة». البروفسور أرمينيوس فامبري (مستشرق مجري).

21- «إنها لحقيقة تاريخية اليوم، أن السلطان عبد الحميد لم يكن حاكمًا دمويًا». رشاد أكرم قوجي (مؤرخ تركي).

22- «لقد طيَّر البرق إلينا النبأ المشؤوم الذي فتَّت الأكباد، وألبس القلوب ثوب الحداد، وقد ساد الأسف بمجرد سماعه على العالم الإسلامي في الهند وسائر الأقطار المعمورة، ومن التألم الناشئ منه تفتت الصدور، ذلك النبأ العظيم الذي ألمَّ بالعالم الإسلامي بأسره؛ نبأ عزل جلالة السلطان عبد الحميد الثاني من عرش الخلافة والسلطنة». صحيفة الوطن (صحيفة هندية).

23- «رغم قواته العسكرية الكبيرة المستعدة للقتال دفاعًا عنه، لم يضع الحرب والقتال نصب عينيه للدفاع عن العرش، ولو كان فعل ذلك، ما كان أحد أبدًا يستطيع خلعه». سير هنري وودز (مشير بالبحرية العثمانية).

24- «قلنا: إن السلطان ظالم، وإن السلطان مجنون. قلنا: لابد من الثورة على السلطان، وصدقنا ما قاله لنا الشيطان، فثرنا، وأيقظنا الفتنة النائمة، ولم تكن أنت يا أعظم سياسيي العصر مجنونًا، بل كنا نحن المجانين، ولم نكن ندري أننا لم نكن مجانين فحسب، بل كنا أنذالًا، أشرارًا، حُرموا الأخلاق الطيبة». الدكتور رضا توفيق (فيلسوف الاتحاد والترقي).

أيها المسلمون، هذا هو تاريخ سلطاننا، وهذا تاريخ دولتنا المشرف، فقد كانت الدولة العثمانية رائعة وهي في أوج قوتها، وهي عظيمة حتى في ضعفها، وبهذا يشهد العدو قبل الصديق.

وصدق الشاعر عندما قال:

وقد بعث الله الخليفة رحمة

إلى الناس إن الله للناس يرحمُ

أقام به الديان أركان دينه

فليست على رغم العدى تتهدمُ

وصاغ النهى منه سوار عدالة

به ازدان من خود الحكومة معصمُ

وكم لأمير المؤمنين مآثر

بهن صنوف الناس تدري وتعلمُ

ويشهد حتى الأجنبي بفضله

فكيف يسيء الظن من هو مسلمُ

سلام على العهد الحميدي إنه

لأسعد عهد في الزمان وأنعمُ

اللهم اجعلنا من الذين يعيدون الخلافة الراشدة التي نستأنف بها الحياة الإسلامية، ونسطر بها صفحات ناصعة البياض، ونطمس بها ما فعله السفهاء والخونة من أبناء جلدتنا الذين اتخذوا اليهود والنصارى أولياء من دون الله ومن دون المؤمنين؛ ليعود للخلافة بهاءها، وللقدس وإستانبول ومكة المكرمة والمدينة المنوَّرة ودمشق وبغداد وقرطبة وصنعاء… لتعود لها ابتسامتها، وتعلو راية العقاب أبنيتها، وليس ذلك على الله بعزيز.

شاهد أيضاً

w387

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387) ربيع الآخر 1440هـ – كانون الأول/ديسمبر 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *